الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            والثاني فيما جاوزهما ثم محل العفو في حق نفسه كما أشار إليه بقوله ( ولو ) ( حمل ) في صلاته ( مستجمرا ) أو من عليه نجاسة معفو عنها كثوب به دم براغيث على ما سيأتي ، أو حيوانا تنجس منفذه بخروج الخارج منه ( بطلت ) صلاته ( في الأصح ) إذ العفو للحاجة ولا حاجة إلى حمله فيها ، بخلاف حمل طاهر المنفذ ، ولو من غير حاجة ولا نظر للخبث بباطنه ; لأنه في معدنه الخلقي مع وجود الحياة المؤثرة في دفعه كما في جوف المصلي لحمله صلى الله عليه وسلم أمامة في صلاته ، [ ص: 27 ] ولهذا فارق حمل المذبوح والميت الطاهر الذي لم يطهر باطنه ولو سمكا أو جرادا ، والثاني لا تبطل في حقه كالمحمول للعفو عن محل الاستجمار ، ويلحق بحمل ما ذكر حمل حامله فيما يظهر ، والقياس بطلانها أيضا بحمله ماء قليلا أو مائعا فيه ميتة لا نفس لها سائلة ، وقلنا لا ينجس كما هو الأصح ، وإن لم يصرحوا به . ولو حمل المصلي بيضة استحالت دما وحكم بنجاستها أو عنقودا استحال خمرا أو قارورة مصممة الرأس برصاص ونحوه فيها نجس بطلت . ويؤخذ مما مر في قبض طرف شيء متنجس فيها أنه لو أمسك المصلي بدن مستجمر أو ثوبه أو أمسك المستجمر المصلي أو ملبوسه أنه يضر ، وهو ظاهر ، ولو سقط طائر على منفذه نجاسة في نحو مائع لم ينجسه لعسر صونه عنه ، بخلاف نحو المستجمع فإنه ينجسه ويحرم عليه ذلك لتضمخه بالنجاسة ، ويؤخذ منه حرمة مجامعة زوجته قبل استنجائه بالماء ، وأنه لا يلزمها حينئذ تمكينه كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى .

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            حاشية الشبراملسي

                                                                                                                            ( قوله : ولو حمل في صلاته مستجمرا ) ومثل الحمل ما لو تعلق المستجمر بالمصلي أو المصلي بالمستجمر فإنه تبطل صلاته ، وسيأتي ذلك في قوله ويؤخذ مما مر إلخ ، ووجه البطلان فيهما اتصال المصلي بما هو متصل بالنجاسة . ويؤخذ منه أن المستنجي بالماء إذا أمسك مصليا مستجمرا بطلت صلاة المستجمر ; لأن بعض بدنه متصل بيد المستنجي بالماء ، ويده متصلة ببدن المصلي المستجمر بالحجر فصدق عليه أنه متصل بمتصل ينجس ، وهو نفسه لا ضرورة لاتصاله به .

                                                                                                                            وفي حج : لو غرز إبرة مثلا ببدنه أو انغرزت فغابت أو وصلت لدم قليل لم يضر ، أو لدم كثير أو لجوف لم تصح الصلاة لاتصالها بنجس انتهى . وقال سم عليه : ومحل عدم الصحة حيث كان طرفها بائنا ظاهرا انتهى .

                                                                                                                            أقول : وما قيد به قد يؤخذ من قوله فغابت . أما إذا غرزها عبثا فتبطل ; لأنه بمنزلة التضمخ بالنجاسة عمدا ، وهو يضر ( قوله : به دم براغيث ) وقد يؤخذ منه أن حمل من جبر عظمه بنجس حيث لم يجب نزعه ولم يستتر بلحم وجلد طاهر كذلك ; لأنه نجس معفو عنه كذلك ، إلا أن يفرق بأن هذا صار في حكم الجزء فلا يضر الحمل معه . انتهى سم على حج .

                                                                                                                            ( قوله : تنجس منفذه ) أي مثلا ( قوله : إذ العفو للحاجة ) قال حج : ويؤخذ منه أن ما يتخلل خياطة الثوب من نحو الصئبان ، وهو بيض القمل يعفى عنه ، وإن فرضت حياته ثم موته ، وهو ظاهر لعموم الابتلاء به مع مشقة فتق الخياطة لإخراجه انتهى ( قوله : لأنه في معدنه الخلقي ) أي وما دام كذلك لا يحكم بنجاسته ، وإن كان نجسا في ذاته ( قوله : كما في جوف المصلي ) قد يفرق بأن ما في جوف المصلي حمله ضروري له ، ولا كذلك حمل ما في باطن غيره ، وإن كان حيا ( قوله : لحمله صلى الله عليه وسلم أمامة في صلاته ) قال حج في شرح الشمائل في آخر باب بكائه : وكانت صلاة الصبح وعبارته نصها : وأمامة هي التي حملها النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح على عاتقه ، وكان إذا ركع وضعها ، وإذا رفع رأسه من السجود أعادها انتهى .

                                                                                                                            وسيأتي لحج نفسه في الفصل الآتي بعد قول المصنف ، وإلا فتبطل بكثيره لا قليله ما نصه : للأحاديث الصحيحة في ذلك كحمله صلى الله عليه وسلم أمامة بنت زينب رضي الله عنها عند قيامه ووضعها عند سجوده انتهى . وهو مخالف لما ذكره في شرح الشمائل ، إلا أن يقال : هما روايتان ، وأن الواقعة متعددة ، فوضعها تارة عند إرادة الركوع وتارة عند إرادة السجود ، على أن الركوع لم يشرع إلا بعد تحويل القبلة ، فيجوز أنه كان قبل مشروعية الركوع يضعها عند إرادة السجود وبعد مشروعية الركوع صار يضعها عند [ ص: 27 ] إرادته . ( قوله : والميت ) قضية التعبير بالميت أن السمك إذا كان حيا لا تبطل الصلاة بحمله ، وهو مشكل بأن حركته حركة مذبوح وذلك يلحقه بالميتة ، إلا أن يقال : محل إلحاق ما ذكر إذا كان وصوله لتلك الحالة بجناية ، أو أنه لما لم يقطع بموته لإمكان عوده للماء فتدوم حياته لم يلحقوه بالميتة لذلك ( قوله : ويلحق بحمل ما ذكر ) هل يلحق بذلك من وصل عظمه بنجس معذور فيه أم لا ؟ فيه نظر ، والأقرب عدم الضرر . انتهى سم على حج .

                                                                                                                            ( قوله : وحكم بنجاستها ) أي بأن فسدت وأيس من مجيء فرخ منها . ا هـ حج . ( قوله : بطلت ) أي حالا في الصور المذكورة ( قوله : أو أمسك المستجمر المصلي ) أي ولم يتجه حالا ( قوله : ولو سقط طائر ) أي أو غيره من الحيوانات ( قوله : على منفذه نجاسة محققة ) أي أو منقاره أو رجله أخذا من العلة ( قوله : قبل استنجائه ) أي أو استنجائها ( قوله : وأنه لا يلزمها حينئذ تمكينه ) أي بل يحرم عليها ذلك ، وظاهر أن محل ذلك ما لم يخش الزنا ، وإلا فيجوز كما في وطء الحائض عند خوف ما ذكر .



                                                                                                                            حاشية المغربي

                                                                                                                            [ ص: 27 ] قوله : أنه لو أمسك المصلي بدن مستجمر أو ثوبه أو أمسك المستجمر المصلي إلخ ) في حاشية الشيخ أن مثله ما لو أمسك المستنجي بالماء مصليا مستجمرا بالأحجار فتبطل صلاة المصلي المستجمر بالأحجار أخذا مما مر أن من اتصل بطاهر متصل بنجس غير معفو عنه تبطل صلاته : أي وقد صدق على هذا المستنجي بالماء الممسك للمصلي المذكور أنه طاهر متصل بنجس غير معفو عنه وهو بدن المصلي المذكور ، ; لأن العفو إنما هو بالنسبة إليه ، وقد اتصل بالمصلي وهو في غاية السقوط كما لا يخفى إذ هو مغالطة ، إذ لا خفاء أن معنى كون الطاهر المتصل بالمصلي متصلا بنجس غير معفو عنه أنه غير معفو عنه بالنسبة للمصلي ، وهذا النجس معفو عنه بالنسبة إليه فلا نظر لكونه غير معفو عنه بالنسبة للممسك الذي هو منشأ التوهم ، ولأنا إذا عفونا عن محل الاستجمار بالنسبة لهذا المصلي فلا فرق بين أن يتصل به بالواسطة أو بغير الواسطة ، وعدم العفو إنما هو بالنسبة لخصوص الغير بل هو بالواسطة أولى بالعفو منه بعدمها الذي هو محل وفاق كما هو ظاهر ، ويلزم على ما قاله أن تبطل صلاته بحمله لثيابه التي لا يحتاج إلى حملها لصدق ما مر عليها ولا أحسب أحدا يوافق عليه ( قوله : ولو سقط طائر ) أي مثلا وقد مر في الطهارة .




                                                                                                                            الخدمات العلمية