الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
( المسألة الثانية ) في بيان علة تحريم جر السلف النفع للمسلف وذلك أن الله عز وجل شرع السلف قربة للمعروف ولذلك [ ص: 292 ] استثناه من الربا المحرم فيجوز دفع دينار ليأخذ عوضه دينارا إلى أجل قرضا ترجيحا لمصلحة الإحسان على مفسدة الربا ، وهذا من الصور التي قدم الشرع فيها المندوبات على المحرمات ومن الصور التي مصلحتها تقتضي الإيجاب لكن ترك الشرع ترتيب الإيجاب عليها رفقا بالعباد كمصلحة السواك فقال عليه السلام { لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك } ، وقد بسطت هذه المسألة في كتاب اليواقيت في أحكام المواقيت ، وقد تقدم منه نبذة في هذا الكتاب [ ص: 293 ] يدلك على أن مصلحة السلف تقتضي الوجوب معارضتها للمحرم ، ومعارضة مفسدة التحريم تقتضي أن يكون مصلحة إيجاب ، بل أعظم من أصل الإيجاب فإن المحرم يقدم على الواجب عند التعارض على الصحيح فتقديم هذه المصلحة يقتضي عظمها على أصل الوجوب فإذا وقع القرض ليجر [ ص: 294 ] نفعا بطلت مصلحة الإحسان بالمكايسة فتبقى مفسدة الربا سليمة عن المعارض فيما يحرم فيه الربا فيترتب عليها التحريم ، ووجه آخر وهو أنهما خالفا مقصود الشارع وواقعا ما لله لغير الله وهو وجه تحريم ما لا ربا فيه كالعروض وهو دون الأول في التحريم .

التالي السابق


حاشية ابن حسين المكي المالكي

( المسألة الثانية في بيان علة تحريم جر السلف النفع للمسلف وذلك أن الله تعالى شرع السلف قربة للمعروف ولذلك [ ص: 292 ] استثناه من الربا المحرم فيجوز دفع دينار ليأخذ عوضه دينارا إلى أجل قرضا ترجيحا لمصلحة الإحسان على مفسدة الربا ) قلت ما قاله من أن القرض مستثنى من الربا المحرم ليس بمسلم ولا بصحيح فإن الربا لغة الزيادة ولا زيادة في المثال الذي ذكره والربا شرعا الممنوع والقرض ليس بممنوع وإنما وقع الخلل من جهة اعتقاد أن دينارا بدينار إلى أجل ممنوع مطلقا والأمر ليس كذلك ، بل ذلك ممنوع على وجه البيع الذي شأنه عادة وعرفا المكايسة والمغابنة ، وليس بممنوع على وجه القرض الذي شأنه المسامحة والمكارمة فهما أصلان كل واحد منهما قائم بنفسه ، وليس أحدهما أصلا للآخر ، فيكون مستثنى منه قال ( وهذا من الصور التي قدم الشرع فيها المندوبات على المحرمات ) قلت ما قاله في ذلك مبني على ذلك الاعتقاد فهو غير صحيح قال ( ومن الصور التي مصلحتها تقتضي الإيجاب لكن ترك الشرع ترتيب الإيجاب عليها رفقا بالعباد إلى قوله ، وقد تقدم منه نبذة في هذا الكتاب ) [ ص: 293 ] قلت ما قاله من أن مصلحة السواك تقتضي الإيجاب مشعر بأن المصالح والمفاسد أوصاف ذاتية للموصوف بها وذلك رأي الفلاسفة والمعتزلة ، وليس رأي الأشعرية وأهل السنة فإن أراد ذلك فهو خطأ وإن كان أراد غير ذلك فلفظه غير موافق لمراده .

قال ( ويدلك على أن مصلحة السلف تقتضي الوجوب معارضتها للمحرم ومعارضة مفسدة التحريم تقتضي أن تكون مصلحة إيجاب ، بل أعظم من أصل الإيجاب فإن المحرم يقدم على الواجب عند التعارض على الصحيح فتقديم هذه المصلحة عظمها على أصل الوجوب ) قلت قد تبين أن لا معاوضة لأنها أصلان متغايران وعلى تقدير المعارضة فقوله أن المعارضة هنا تدل على أن مصلحة السلف تقتضي الوجوب دعوى ولا حجة عليها إلا ما يتوهم من أن المصالح أوصاف ذاتية وما قاله من أن تلك المصلحة أعظم مما يقتضي الإيجاب من فحش الخطأ ويا ليت شعري ما تقتضي المصلحة التي هي فوق ما يقتضي الإيجاب وهل فوق الإيجاب رتبة هي أعلى منه هذا كله تخليط وفي مهواة الاعتزال والتفلسف توريط .

قال ( فإذا وقع القرض ليجر [ ص: 294 ] نفعا بطلت مصلحة الإحسان بالمكايسة فتبقى مفسدة الربا سليمة عن المعارض فيما يحرم به الربا فيترتب عليها التحريم ) قلت إذا دخل غرض انتفاع المسلف بطلت حقيقة السلف كما قال ولا مدخل للمعارضة هنا ؛ لأنهما أصلان متغايران على ما سبق قال ( ووجه آخر وهو أنهما خالفا مقصود الشارع وأوقعا ما لله لغير الله وهو وجه تحريم ما لا ربا فيه كالعروض وهو دون الأول في التحريم ) قلت في ذلك نظر وما قاله في المسألة الثالثة حكاية أقوال وتقسيم لا كلام معه فيه وما قاله بعدها إلى آخر الفرق صحيح ، وكذلك ما قاله في الفرق بعده




الخدمات العلمية