الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                        657 حدثنا عبد الله بن يوسف قال أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب فرسا فصرع عنه فجحش شقه الأيمن فصلى صلاة من الصلوات وهو قاعد فصلينا وراءه قعودا فلما انصرف قال إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا صلى قائما فصلوا قياما فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد وإذا صلى قائما فصلوا قياما وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعون قال أبو عبد الله قال الحميدي قوله إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا هو في مرضه القديم ثم صلى بعد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم جالسا والناس خلفه قياما لم يأمرهم بالقعود وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعل النبي صلى الله عليه وسلم

                                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                                        قوله : ( فقولوا ربنا ولك الحمد ) كذا لجميع الرواة في حديث عائشة بإثبات الواو ، وكذا لهم في حديث أبي هريرة وأنس إلا في رواية الليث عن الزهري في " باب إيجاب التكبير " فللكشميهني بحذف الواو [ ص: 211 ] ورجح إثبات الواو بأن فيها معنى زائدا لكونها عاطفة على محذوف تقديره ربنا استجب أو ربنا أطعناك ولك الحمد فيشتمل على الدعاء والثناء معا ، ورجح قوم حذفها لأن الأصل عدم التقدير فتكون عاطفة على كلام غير تام ، والأول أوجه كما قال ابن دقيق العيد . وقال النووي : ثبتت الرواية بإثبات الواو وحذفها ، والوجهان جائزان بغير ترجيح ، وسيأتي في أبواب صفة الصلاة الكلام على زيادة " اللهم " قبلها ، ونقل عياض عن القاضي عبد الوهاب أنه استدل به على أن الإمام يقتصر على قوله " سمع الله لمن حمده " وأن المأموم يقتصر على قوله " ربنا ولك الحمد " وليس في السياق ما يقتضي المنع من ذلك لأن السكوت عن الشيء لا يقتضي ترك فعله ، نعم مقتضاه أن المأموم يقول " ربنا لك الحمد " عقب قول الإمام " سمع الله لمن حمده " فأما منع الإمام من قول ربنا ولك الحمد فليس بشيء لأنه ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجمع بينهما كما سيأتي في " باب ما يقول عند رفع رأسه من الركوع " ويأتي باقي الكلام عليه هناك .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( عن أنس ) في رواية شعيب عن الزهري " أخبرني أنس " .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( فصلى صلاة من الصلوات ) في رواية سفيان عن الزهري " فحضرت الصلاة " وكذا في رواية حميد عن أنس عند الإسماعيلي ، قال القرطبي : اللام للعهد ظاهرا ، والمراد الفرض ، لأنها التي عرف من عادتهم أنهم يجتمعون لها بخلاف النافلة . وحكى عياض عن ابن القاسم أنها كانت نفلا ، وتعقب بأن في رواية جابر عند ابن خزيمة وأبي داود الجزم بأنها فرض كما سيأتي ، لكن لم أقف على تعيينها ، إلا أن في حديث أنس " فصلى بنا يومئذ " فكأنها نهارية ، الظهر أو العصر .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( فصلينا وراءه قعودا ) ظاهره يخالف حديث عائشة ، والجمع بينهما أن في رواية أنس هذه اختصارا ، وكأنه اقتصر على ما آل إليه الحال بعد أمره لهم بالجلوس ، وقد تقدم في " باب الصلاة في السطوح " من رواية حميد عن أنس بلفظ فصلى بهم جالسا وهم قيام ، فلما سلم قال : إنما جعل الإمام وفيها أيضا اختصار لأنه لم يذكر فيه قوله لهم " اجلسوا " ، والجمع بينهما أنهم ابتدءوا الصلاة قياما فأومأ إليهم بأن يقعدوا فقعدوا ، فنقل كل من الزهري وحميد أحد الأمرين ، وجمعتهما عائشة ، وكذا جمعهما جابر عند مسلم ، وجمع القرطبي بين الحديثين باحتمال أن يكون بعضهم قعد من أول الحال وهو الذي حكاه أنس ، وبعضهم قام حتى أشار إليه بالجلوس وهذا الذي حكته عائشة . وتعقب باستبعاد قعود بعضهم بغير إذنه - صلى الله عليه وسلم - لأنه يستلزم النسخ بالاجتهاد لأن فرض القادر في الأصل القيام . وجمع آخرون بينهما باحتمال تعدد الواقعة وفيه بعد ، لأن حديث أنس إن كانت القصة فيه سابقة لزم منه ما ذكرنا من النسخ بالاجتهاد ، وإن كانت متأخرة لم يحتج إلى إعادة قول " إنما جعل الإمام ليؤتم به إلخ " لأنهم قد امتثلوا أمره السابق وصلوا قعودا لكونه قاعدا .

                                                                                                                                                                                                        ( فائدة ) : وقع في رواية جابر عند أبي داود أنهم دخلوا يعودونه مرتين فصلى بهم فيهما ، لكن بين أن الأولى كانت نافلة وأقرهم على القيام وهو جالس ، والثانية كانت فريضة وابتدءوا قياما فأشار إليهم بالجلوس . وفي رواية بشر عن حميد عن أنس عند الإسماعيلي نحوه .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( وإذا صلى جالسا ) استدل به على صحة إمامة الجالس كما تقدم . وادعى بعضهم أن المراد [ ص: 212 ] بالأمر أن يقتدي به في جلوسه في التشهد وبين السجدتين ، لأنه ذكر ذلك عقب ذكر الركوع والرفع منه والسجود ، قال : فيحمل على أنه لما جلس للتشهد قاموا تعظيما له فأمرهم بالجلوس تواضعا ، وقد نبه على ذلك بقوله في حديث جابر إن كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم ، يقومون على ملوكهم وهم قعود ، فلا تفعلوا وتعقبه ابن دقيق العيد وغيره بالاستبعاد ، وبأن سياق طرق الحديث تأباه ، وبأنه لو كان المراد الأمر بالجلوس في الركن لقال وإذا جلس فاجلسوا ليناسب قوله وإذا سجد فاسجدوا ، فلما عدل على ذلك إلى قوله " وإذا صلى جالسا " كان كقوله وإذا صلى قائما ، فالمراد بذلك جميع الصلاة . ويؤيد ذلك قول أنس " فصلينا وراءه قعودا " .

                                                                                                                                                                                                        قوله : ( أجمعون ) كذا في جميع الطرق في الصحيحين بالواو ، إلا أن الرواة اختلفوا في رواية همام عن أبي هريرة كما سيأتي في " باب إقامة الصف " فقال بعضهم " أجمعين " بالياء والأول تأكيد لضمير الفاعل في قوله " صلوا " ، وأخطأ من ضعفه فإن المعنى عليه ، والثاني نصب على الحال أي جلوسا مجتمعين ، أو على التأكيد لضمير مقدر منصوب كأنه قال : أعنيكم أجمعين . وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم مشروعية ركوب الخيل والتدرب على أخلاقها والتأسي لمن يحصل له سقوط ونحوه بما اتفق للنبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الواقعة وبه الأسوة الحسنة . وفيه أنه يجوز عليه - صلى الله عليه وسلم - ما يجوز على البشر من الأسقام ونحوها من غير نقص في مقداره بذلك ، بل ليزداد قدره رفعة ومنصبه جلالة .




                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية