الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      تببيه .

                                                                                                                                                                                                                                      فإن قيل : عموم حديث حذيفة المذكور الذي استدللتم به ، وبيان القرآن أنه شامل للبس الفضة والشرب فيها ، وقلتم : إن كونه واردا في الشرب في آنية الفضة لا يجعله خاصا بذلك ; فما الدليل في ذلك على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ؟

                                                                                                                                                                                                                                      قال البخاري في صحيحه ، حدثنا مسدد ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا سليمان التيمي ، عن أبي عثمان ، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - : أن رجلا أصاب من امرأة قبلة ; فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له ، فأنزلت عليه : ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ) [ 11 \ 114 ] ، قال الرجل [ ص: 360 ] ألي هذه ؟ قال : " لمن عمل بها من أمتي " اهـ ، هذا لفظ البخاري في التفسير في " سورة هود " ، وفي رواية في الصحيح ، قال : " لجميع أمتي كلهم " اهـ . فهذا الذي أصاب القبلة من المرأة نزلت في خصوصه آية عامة اللفظ ، فقال للنبي - صلى الله عليه وسلم - : ألي هذه ؟ ومعنى ذلك : هل النص خاص بي لأني سبب وروده ؟ أو هو على عموم لفظه ؟ وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " لجميع أمتي " معناه أن العبرة بعموم لفظ : " إن الحسنات يذهبن السيئات " ، لا بخصوص السبب ، والعلم عند الله تعالى ؟

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة : " وترى الفلك " [ 16 \ 14 ] ، أي : السفن ، وقد دل القرآن على أن : " الفلك " يطلق على الواحد وعلى الجمع ، وأنه إن أطلق على الواحد ذكر ، وإن أطلق على الجمع أنث ، فأطلقه على المفرد مذكرا في قوله : " وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون " [ 36 \ 41 ، 42 ] ، وأطلقه على الجمع مؤنثا في قوله : والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس [ 2 \ 164 ] ، وقوله : مواخر [ 16 \ 14 ] ، جمع ماخرة ، وهو اسم فاعل ، مخرت السفينة تمخر - بالفتح - وتمخر - بالضم - مخرا ومخورا : جرت في البحر تشق الماء مع صوت . وقيل : استقبلت الريح في جريتها . والأظهر في قوله : ولتبتغوا من فضله [ 16 \ 14 ] ، أنه معطوف على قوله : لتأكلوا منه لحما طريا [ 16 \ 14 ] ، ولعل هنا للتعليل كما تقدم .

                                                                                                                                                                                                                                      والشكر في الشرع : يطلق من العبد لربه ; كقوله هنا ولعلكم تشكرون [ 16 \ 14 ] ، وشكر العبد لربه : هو استعماله نعمه التي أنعم عليه بها في طاعته . وأما من يستعين بنعم الله على معصيته فليس من الشاكرين ; وإنما هو كنود كفور .

                                                                                                                                                                                                                                      وشكر الرب لعبده المذكور في القرآن كقوله : فإن الله شاكر عليم [ 2 \ 158 ] ، وقوله إن ربنا لغفور شكور [ 35 \ 34 ] ، هو أن يثيب عبده الثواب الجزيل من العمل القليل . والعلم عند الله تعالى .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية