الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      المسألة الرابعة : اعلم أنه يجوز نسخ الأخف بالأثقل ، والأثقل بالأخف . فمثال نسخ الأخف بالأثقل : نسخ التخيير بين الصوم والإطعام المنصوص عليه في قوله تعالى : وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين [ 2 \ 184 ] ، بأثقل منه ، وهو تعيين إيجاب الصوم في قوله : فمن شهد منكم الشهر فليصمه [ 2 \ 185 ] ، ونسخ حبس الزواني في البيوت المنصوص عليه بقوله : فأمسكوهن في البيوت الآية [ 4 \ 15 ] ، بأثقل منه وهو الجلد والرجم المنصوص على الأول منهما في قوله : الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة [ 24 \ 2 ] ، وعلى الثاني منهما بآية الرجم التي نسخت تلاوتها وبقي حكمها ثابتا ، وهي قوله : " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم " ، ومثال نسخ الأثقل بالأخف : نسخ وجوب مصابرة المسلم عشرة من الكفار المنصوص عليه في قوله : إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين الآية [ 8 \ 65 ] ، بأخف منه وهو مصابرة المسلم اثنين منهم المنصوص عليه في قوله : الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين [ ص: 449 ] الآية [ 8 \ 66 ] ، وكنسخ قوله تعالى : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله [ 2 \ 284 ] ، بقوله : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها [ 2 \ 286 ] ، فإنه نسخ للأثقل بالأخف كما هو ظاهر . وكنسخ اعتداد المتوفى عنها بحول ، المنصوص عليه في قوله : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول الآية [ 2 \ 240 ] ، بأخف منه وهو الاعتداد بأربعة أشهر وعشر ، المنصوص عليه في قوله : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا [ 2 \ 234 ] .

                                                                                                                                                                                                                                      تنبيه .

                                                                                                                                                                                                                                      اعلم : أن في قوله - جل وعلا - : نأت بخير منها أو مثلها [ 2 \ 106 ] إشكالا من جهتين :

                                                                                                                                                                                                                                      الأولى : أن يقال : إما أن يكون الأثقل خيرا من الأخف ; لأنه أكثر أجرا ، أو الأخف خيرا من الأثقل ; لأنه أسهل منه ، وأقرب إلى القدرة على الامتثال . وكون الأثقل خيرا يقتضي منع نسخه بالأخف ، كما أن كون الأخف خيرا يقتضي منع نسخه بالأثقل ; لأن الله صرح بأنه يأتي بما هو خير من المنسوخ أو مماثل له ، لا ما هو دونه . وقد عرفت : أن الواقع جواز نسخ كل منهما بالآخر .

                                                                                                                                                                                                                                      الجهة الثانية : من جهتي الإشكال في قوله أو مثلها [ 2 \ 106 ] ; لأنه يقال : ما الحكمة في نسخ المثل ليبدل منه مثله ؟ وأي مزية للمثل على المثل حتى ينسخ ويبدل منه ؟ .

                                                                                                                                                                                                                                      والجواب عن الإشكال الأول : هو أن الخيرية تارة تكون في الأثقل لكثرة الأجر ، وذلك فيما إذا كان الأجر كثيرا جدا والامتثال غير شديد الصعوبة ، كنسخ التخيير بين الإطعام والصوم بإيجاب الصوم ; فإن في الصوم أجرا كثيرا كما في الحديث القدسي : " إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به " ، والصائمون من خيار الصابرين ; لأنهم صبروا لله عن شهوة بطونهم وفروجهم ; والله يقول : إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب [ 39 \ 10 ] ، ومشقة الصوم عادية ليس فيها صعوبة شديدة تكون مظنة لعدم القدرة على الامتثال ، وإن عرض ما يقتضي ذلك كمرض أو سفر ; فالتسهيل برخصة الإفطار منصوص بقوله : " فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر [ 2 \ 184 ] ، وتارة تكون الخيرية في الأخف ، وذلك فيما إذا كان الأثقل المنسوخ شديد الصعوبة بحيث يعسر فيه الامتثال ; فإن الأخف يكون خيرا منه ; لأن مظنة عدم الامتثال تعرض المكلف للوقوع فيما [ ص: 450 ] لا يرضي الله ، وذلك كقوله : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله [ 2 \ 284 ] ، فلو لم تنسخ المحاسبة بخطرات القلوب لكان الامتثال صعبا جدا ، شاقا على النفوس ، لا يكاد يسلم من الإخلال به ، إلا من سلمه الله تعالى - فشك أن نسخ ذلك بقوله : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها [ 2 \ 286 ] ، خير للمكلف من بقاء ذلك الحكم الشاق ، وهكذا .

                                                                                                                                                                                                                                      والجواب عن الإشكال الثاني : هو أن قوله : أو مثلها ، يراد به مماثلة الناسخ والمنسوخ في حد ذاتهما ; فلا ينافي أن يكون الناسخ يستلزم فوائد خارجة عن ذاته يكون بها خيرا من المنسوخ ، فيكون باعتبار ذاته مماثلا للمنسوخ ، وباعتبار ما يستلزمه من الفوائد التي لا توجد في المنسوخ خيرا من المنسوخ .

                                                                                                                                                                                                                                      وإيضاحه : أن عامة المفسرين يمثلون لقوله : أو مثلها ، بنسخ استقبال بيت المقدس باستقبال بيت الله الحرام ; فإن هذا الناسخ والمنسوخ بالنظر إلى ذاتهما متماثلان ; لأن كل واحد منهما جهة من الجهات ، وهي في حقيقة أنفسها متساوية ، فلا ينافي أن يكون الناسخ مشتملا على حكم خارجة عن ذاته تصيره خيرا من المنسوخ بذلك الاعتبار . فإن استقبال بيت الله الحرام تلزمه نتائج متعددة مشار لها في القرآن ليست موجودة في استقبال بيت المقدس ، منها : أنه يسقط به احتجاج كفار مكة على النبي - صلى الله عليه وسلم - بقولهم : تزعم أنك على ملة إبراهيم ولا تستقبل قبلتها ! وتسقط به حجة اليهود بقولهم : تعيب ديننا وتستقبل قبلتنا ، وقبلتنا من ديننا ! وتسقط به أيضا حجة علماء اليهود فإنهم عندهم في التوراة : أنه - صلى الله عليه وسلم - سوف يؤمر باستقبال بيت المقدس ، ثم يؤمر بالتحول عنه إلى استقبال بيت الله الحرام . فلو لم يؤمر بذلك لاحتجوا عليه بما عندهم في التوراة من أنه سيحول إلى بيت الله الحرام ، والفرض أنه لم يحول .

                                                                                                                                                                                                                                      وقد أشار تعالى إلى هذه الحكم التي هي إدحاض هذه الحجج الباطلة بقوله : ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا [ 2 \ 150 ] ، ثم بين الحكمة بقوله : لئلا يكون للناس عليكم حجة الآية [ 2 \ 150 ] ، وإسقاط هذه الحجج من الدواعي التي دعته - صلى الله عليه وسلم - إلى حب التحويل إلى بيت الله الحرام المشار إليه في قوله تعالى : قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام الآية [ 2 \ 144 ] .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية