الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
النوع التاسع عشر : الاستقصاء :

وهو أن يتناول المتكلم معنى فيستقصيه ، فيأتي عوارضه ولوازمه بعد أن يستقصي جميع أوصافه الذاتية بحيث لا يترك لمن يتناوله بعده فيه مقالا ؛ كقوله تعالى : أيود أحدكم أن تكون له جنة [ البقرة : 266 ] الآية ، فإنه تعالى لو اقتصر على قوله ( جنة ) لكان كافيا ، فلم يقف عند ذلك حتى قال في تفسيرها : ( من نخيل وأعناب ) ، فإن مصاب صاحبها بها أعظم ، ثم زاد : ( تجري من تحتها الأنهار ) متمما لوصفها بذلك ، ثم كمل وصفها بعد التتميمين فقال : ( له فيها من كل الثمرات ) ، فأتى بكل ما يكون في الجنان ليشتد الأسف على إفسادها .

ثم قال في وصف صاحبها : ( وأصابه الكبر ) ، ثم استقصى المعنى في ذلك بما يوجب تعظيم المصاب ، بقوله بعد وصفه بالكبر : ( وله ذرية ) ، ولم يقف عند ذلك حتى وصف الذرية ب ( ضعفاء ) .

ثم ذكر استئصال الجنة التي ليس لهذا المصاب غيرها بالهلاك في أسرع وقت ، حيث قال : ( فأصابها إعصار ) ، ولم يقتصر على ذكره ، للعلم بأنه لا يحصل به سرعة الهلاك ، فقال : ( فيه نار ) ، ثم لم يقف عند ذلك حتى أخبر باحتراقها ، لاحتمال أن تكون النار ضعيفة لا تفي باحتراقها لما فيها من الأنهار ، ورطوبة الأشجار ، فاحترس عن هذا الاحتمال بقوله : ( فاحترقت ) ، فهذا أحسن استقصاء وقع في كلام وأتمه وأكمله .

قال ابن أبي الإصبع : والفرق بين الاستقصاء والتتميم والتكميل : أن التتميم يرد على المعنى الناقص ليتمم ، والتكميل يرد على المعنى التام فيكمل أوصافه ، والاستقصاء يرد على المعنى التام الكامل فيستقصي لوازمه وعوارضه وأوصافه وأسبابه حتى يستوعب [ ص: 128 ] جميع ما تقع الخواطر عليه ، فلا يبقى لأحد فيه مساغ .

التالي السابق


الخدمات العلمية