الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          وحدثني مالك عن يحيى بن سعيد أنه سمع محمد بن المنكدر يقول أحب الله عبدا سمحا إن باع سمحا إن ابتاع سمحا إن قضى سمحا إن اقتضى قال مالك في الرجل يشتري الإبل أو الغنم أو البز أو الرقيق أو شيئا من العروض جزافا إنه لا يكون الجزاف في شيء مما يعد عدا قال مالك في الرجل يعطي الرجل السلعة يبيعها له وقد قومها صاحبها قيمة فقال إن بعتها بهذا الثمن الذي أمرتك به فلك دينار أو شيء يسميه له يتراضيان عليه وإن لم تبعها فليس لك شيء إنه لا بأس بذلك إذا سمى ثمنا يبيعها به وسمى أجرا معلوما إذا باع أخذه وإن لم يبع فلا شيء له قال مالك ومثل ذلك أن يقول الرجل للرجل إن قدرت على غلامي الآبق أو جئت بجملي الشارد فلك كذا وكذا فهذا من باب الجعل وليس من باب الإجارة ولو كان من باب الإجارة لم يصلح قال مالك فأما الرجل يعطى السلعة فيقال له بعها ولك كذا وكذا في كل دينار لشيء يسميه فإن ذلك لا يصلح لأنه كلما نقص دينار من ثمن السلعة نقص من حقه الذي سمى له فهذا غرر لا يدري كم جعل له

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          1395 1376 - ( مالك عن يحيى بن سعيد أنه سمع محمد بن المنكدر ) بن عبد الله التميمي المدني الفاضل التابعي الثقة ( يقول ) أخرجه البخاري وابن ماجه من طريق أبي غسان محمد بن المنكدر عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( أحب الله ) بفتح الهمزة والموحدة الثقيلة دعاء أو خبر ، ولفظ البخاري وابن ماجه : رحم الله لكن رواه البيهقي من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ : أحب الله ( عبدا ) أي إنسانا ( سمحا ) بفتح فسكون من السماحة وهي الجود صفة مشبهة تدل على الثبوت ( إن باع ) بأن يرضى بقليل الربح ( سمحا إن ابتاع سمحا إن قضى ) أي أدى ما عليه طيبة به نفسه ويقضي أفضل ما يجد ويعجل القضاء ( سمحا إن اقتضى ) أي طلب قضاء حقه برفق ولين ، قال الطيبي : رتب المحبة عليه ليدل على السهولة والتسامح في التعامل سبب لاستحقاق المحبة ولكونه أهلا للرحمة ، وفيه فضل المسامحة وعدم احتقار شيء من أعمال الخير ، فلعلها تكون سببا لمحبة الله التي هي سبب للسعادة الأبدية ، ثم لفظ البخاري : " رحم الله عبدا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا قضى " ، وبمثل لفظ الموطأ رواه ابن ماجه ، لكن بلفظ : رحم بدل : أحب ، وبلفظ إذا بدل إن في الكل ، وهو يحتمل الدعاء والخبر كما مر .

                                                                                                          ويؤيد الخبر قوله في رواية الترمذي من طريق عطاء بن السائب عن ابن المنكدر في هذا الحديث : " غفر الله لرجل ممن كان قبلكم كان سهلا إذا باع " لكن قال الكرماني وغيره : قرينة الاستقبال المستفادة من إذا تجعله دعاء وتقديره يكون رجلا سمحا ، وقد يستفاد العموم من تقييده بالشرط .

                                                                                                          وفي الصحيحين عن حذيفة قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " تلقت الملائكة روح رجل ممن كان قبلكم فقالوا : أعملت من الخير شيئا ؟ فقال : ما أعلم ، قيل : انظر ، قال : كنت آمر فتياني أن ينظروا المعسر ويتجاوزوا عن الموسر ، قال : فتجاوزوا عنه " .

                                                                                                          وفي رواية لمسلم : " فقال الله : أنا أحق بذلك منك ، تجاوزوا عن عبدي " .

                                                                                                          ولهما أيضا : " فأدخله الله الجنة " .

                                                                                                          قال ابن حبيب في الواضحة : تستحب المسامحة في البيع والشراء وليس هي ترك المكايسة فيه إنما هي ترك الموازنة والمضاجرة والكزازة والرضا بيسير الربح وحسن الطلب ، قال : ويكره المدح والذم في التبايع ، ولا يفسخ به ويأثم فاعله لشبهه بالخديعة .

                                                                                                          [ ص: 513 ] ( قال مالك في الرجل يشتري الإبل أو الغنم أو البز ) بالموحدة والزاي ( أو الرقيق أو شيئا من العروض جزافا أنه لا يكون الجزاف في شيء مما يعد عدا ) وفي نسخة : عددا .

                                                                                                          قال الباجي : يريد ما الغالب أن يسهل عدده لقلته ولا يتقدر بكيل ولا وزن ، وقال المازري : إن حمل على ظاهره فرق بينه وبين المكيل والموزون بتعذر آلتهما في بعض الأوقات ، ولكن قيده حذاق المتأخرين بالمعدود المقصود آحاده كالرقيق والأنعام ، وما تقارب جاز الجزاف في كثيره لمشقة عدده دون يسيره .

                                                                                                          ( قال مالك في الرجل يعطي الرجل السلعة يبيعها له و ) الحال أنه ( قد قومها صاحبها قيمة فقال : إن بعتها بهذا الثمن الذي أمرتك به فلك دينار أو شيء يسميه يتراضيان عليه ، وإن لم تبعها فليس لك شيء إنه لا بأس بذلك ) أي يجوز .

                                                                                                          وقوله : ( إذا سمى ثمنا يبيعها به وسمى أجرا معلوما إذا باع أخذه وإن لم يبع فلا شيء له ) زيادة إيضاح لما قبله .

                                                                                                          ( ومثل ذلك أن يقول الرجل للرجل : إن قدرت على غلامي الآبق أو جئت بجملي الشارد فلك كذا وكذا ) لشيء يسميه ( فهذا من باب الجعل ) الذي قال الجمهور بجوازه في الإباق والضوال ، والأصل فيه قوله تعالى : ( ولمن جاء به حمل بعير ) ( سورة يوسف : الآية 72 ) ( وليس من باب الإجارة ، ولو كان من باب الإجارة لم يصلح ) بل يفسد لأن من شرطها علم الثمن ، وأوضح ذلك فقال : ( فأما الرجل يعطى السلعة فيقال له بعها ولك كذا وكذا في كل دينار لشيء يسميه ) كأن يقول : لك في كل دينار درهمان ( فإن ذلك [ ص: 514 ] لا يصلح لأنه كلما نقص دينار من ثمن السلعة نقص من حقه الذي سمي له ) وفي نسخة سماه ( فهذا غرر ) لأنه ( لا يدري كم جعل له ) والإجارة بيع منافع ، فلا يجوز أن يكون البدل فيها إلا معلوما عند الجمهور .

                                                                                                          وقال الظاهرية وبعض السلف : يجوز جهل البدل فيها كمن يعطي حماره لمن يسقي عليه أو يعمل به بنصف ما يرزق بسقيه على ظهره كل يوم قياسا على القراض والمساقاة ، قالوا : وقد جاء القرآن بجواز الرضاع ، وما يأخذه الصبي في اليوم والليلة من لبنها غير معلوم لاختلاف واختلاف ألبان النساء ، قاله أبو عمر .




                                                                                                          الخدمات العلمية