الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                [ ص: 288 ] فصل وأما الجوائح في الإجارة فنقول : لا نزاع بين الأئمة أن منافع الإجارة إذا تعطلت قبل التمكن من استيفائها سقطت الأجرة لم يتنازعوا في ذلك كما تنازعوا في تلف الثمرة المبيعة .

                لأن الثمرة هناك قد يقولون : قبضت بالتخلية وأما المنفعة التي لم توجد فلم تقبض بحال .

                ولهذا نقل الإجماع على أن العين المؤجرة إذا تلفت قبل قبضها بطلت الإجارة وكذلك إذا تلفت عقب قبضها وقبل التمكن من الانتفاع ; إلا خلافا شاذا حكوه عن أبي ثور ; لأن المعقود عليه تلف قبل قبضه فأشبه تلف المبيع بعد القبض جعلا لقبض العين قبضا للمنفعة .

                وقد يقال : هو قياس قول من يقول بعدم وضع الجوائح ; لكن يقولون : المعقود عليه هنا المنافع وهي معدومة لم تقبض ; وإنما قبضها باستيفائها أو التمكن من استيفائها ; وإنما جعل قبض العين قبضا لها في انتقال الملك والاستحقاق وجواز التصرف .

                فإذا تلفت العين فقد تلفت قبل التمكن من استيفاء المنفعة فتبطل الإجارة .

                وهذا يلزمهم مثله في الثمرة باعتبار ما لم يوجد من أجزائها .

                [ ص: 289 ] والأصول في الثمرة كالعين في المنفعة وعدم التمكن من استيفاء المقصود بالعقد موجود في الموضعين .

                فأبو ثور طرد القياس الفاسد كما طرد الجمهور القياس الصحيح في وضع الجوائح وإبطال الإجارة .

                وإن تلفت العين في أثناء المدة انفسخت الإجارة فيما بقي من المدة دون ما مضى .

                وفي انفساخها في الماضي خلاف شاذ .

                وتعطل بعض الأعيان المستأجرة يسقط نصيبه من الأجرة كتلف بعض الأعيان المبيعة ; مثل موت بعض الدواب المستأجرة وانهدام بعض الدور .

                وتعطل المنفعة يكون بوجهين : ( أحدهما تلف العين كموت العبد والدابة المستأجرة .

                ( والثاني زوال نفعها بأن يحدث عليها ما يمنع نفعها كدار انهدمت وأرض للزرع غرقت أو انقطع ماؤها .

                فهذه إذا لم يبق فيها نفع فهي كالتالفة سواء لا فرق بينهما عند أحد من العلماء .

                وإن زال بعض نفعها المقصود وبقي بعضه مثل أن يمكنه زرع الأرض بغير ماء ويكون زرعا ناقصا وكان الماء ينحسر عن الأرض التي غرقت على وجه يمنع بعض الزراعة أو نشوء الزرع : ملك فسخ الإجارة ; فإن ذلك كالعيب في البيع - ولم تبطل به الإجارة .

                وفي إمساكه بالأرش قولان في المذهب .

                وإن تعطل نفعها بعض المدة لزمه من الأجرة بقدر ما انتفع [ ص: 290 ] به كما قال الخرقي .

                فإن جاء أمر غالب يحجر المستأجر عن منفعة ما وقع عليه العقد لزمه من الأجرة بمقدار مدة انتفاعه .

                وإذا بقي من المنفعة ما ليس هو المقصود بالعقد مثل أن ينقطع الماء عن الأرض المستأجرة للزرع ويمكن الانتفاع بها بوضع حطب ونصب خيمة وكذلك الدار المتهدمة يمكن نصب خيمة فيها والأرض التي غرقت يمكن صيد السمك منها : فهل تبطل الإجارة هنا ؟ أو يكون هذا كالنقص الذي يملك به الفسخ ؟ على وجهين : ( أحدهما تبطل .

                وهو قول أكثر العلماء كأبي حنيفة ومالك والشافعي في صورة الهدم ; لأن هذه المنفعة لما لم تكن هي المقصودة بالعقد كان وجودها وعدمها سواء .

                ( والثاني يملك الفسخ .

                وهو نص الشافعي في صورة انقطاع الماء . وقد اختاره القاضي وابن عقيل في بعض المواضع . والأول اختاره غيرهما من الأصحاب .

                التالي السابق


                الخدمات العلمية