الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قالوا : وأما قولكم : إنه لم يجئ في كلام الشارع إلا للحيض ، فنحن نمنع مجيئه في كلام الشارع للحيض البتة ، فضلا عن الحصر . قالوا : إنه قال للمستحاضة : دعي الصلاة أيام أقرائك ، فقد أجاب الشافعي عنه في كتاب حرملة بما فيه شفاء ، وهذا لفظه .

قال : وزعم إبراهيم بن إسماعيل بن علية أن الأقراء : الحيض ، واحتج بحديث سفيان ، عن أيوب ، عن سليمان بن يسار ، عن أم سلمة رضي الله عنها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في امرأة استحيضت تدع الصلاة أيام أقرائها قال الشافعي رحمه الله : وما حدث بهذا سفيان قط ، إنما قال سفيان ، عن أيوب ، عن سليمان بن يسار ، عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : تدع الصلاة عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن

أو قال : " أيام أقرائها " ، الشك من أيوب لا يدري . قال : هذا أو هذا ، فجعله هو حديثا على ناحية ما يريد ، فليس هذا بصدق ، وقد أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن سليمان بن يسار ، عن أم سلمة رضي الله عنها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لتنظر عدد [ ص: 555 ] الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها ، ثم لتدع الصلاة ، ثم لتغتسل ولتصل . ونافع أحفظ عن سليمان من أيوب وهو يقول : بمثل أحد معنيي أيوب اللذين رواهما ، انتهى كلامه . قالوا : وأما الاستدلال بقوله تعالى : ( ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ) [ البقرة : 228 ] .

وأنه الحيض ، أو الحبل أو كلاهما ، فلا ريب أن الحيض داخل في ذلك ، ولكن تحريم كتمانه لا يدل على أن القروء المذكورة في الآية هي الحيض ، فإنها إذا كانت الأطهار ، فإنها تنقضي بالطعن في الحيضة الرابعة أو الثالثة ، فإذا أرادت كتمان انقضاء العدة لأجل النفقة أو غيرها ، قالت : لم أحض ، فتنقضي عدتي ، وهي كاذبة وقد حاضت وانقضت عدتها ، وحينئذ فتكون دلالة الآية على أن القروء الأطهار أظهر ، ونحن نقنع باتفاق الدلالة بها ، وإن أبيتم إلا الاستدلال ، فهو من جانبنا أظهر ، فإن أكثر المفسرين قالوا : الحيض والولادة . فإذا كانت العدة تنقضي بظهور الولادة فهكذا تنقضي بظهور الحيض تسوية بينهما في إتيان المرأة على كل واحد منهما .

وأما استدلالكم بقوله تعالى : ( واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ) [ الطلاق : 4 ] فجعل كل شهر بإزاء حيضة ، فليس هذا بصريح في أن القروء هي الحيض ، بل غاية الآية أنه جعل اليأس من الحيض شرطا في الاعتداد بالأشهر ، فما دامت حائضا لا تنتقل إلى عدة الآيسات ، وذلك أن الأقراء التي هي الأطهار عندنا لا توجد إلا مع الحيض ، لا تكون بدونه ، فمن أين يلزم أن تكون هي الحيض ؟

التالي السابق


الخدمات العلمية