الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله عز وجل:

إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم

هذه آية وعيد، و"الإلحاد": الميل، وهو هاهنا عن الحق، ومن "الإلحاد" لحد الميت; لأنه في جانب، يقال: لحد الرجل وألحد بمعنى، وقرأ الجمهور: "يلحدون" بضم الياء من ألحد، وقرأ ابن وثاب ، وطلحة ، والأعمش : "يلحدون" بفتح الياء والحاء من لحد.

واختلف المفسرون في الإلحاد الذي أشير إليه، ما هو؟ فقال قتادة وغيره: الإلحاد بالتكذيب، وقال مجاهد وغيره: الإلحاد بالمكاء والصفير واللغو الذي ذهبوا إليه، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إلحادهم هو أن يوضع الكلام غير موضعه، ولفظة الإلحاد تعم هذا كله.

وقوله تعالى: لا يخفون علينا أي: فنحن بالمرصاد لهم وسنعذبهم، ثم قررهم تعالى على هذين القسمين أنهما خير؟ وهذا التقرير هم المراد به، أي: فقل لهم يا محمد: [أفمن]، قال مقاتل : نزلت هذه الآية في أبي جهل، وفي عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقيل: في عمار بن ياسر رضي الله عنه، وحسن التفضيل هنا بين الإلقاء في النار والأمن يوم القيامة - وإن كانا لا يشتركان في صفة الخير - من حيث كان الكلام تقريرا لا مجرد خبر; لأن المقرر قد يقرر خصمه على قسمين أحدهما بين الفساد، حتى يرى جوابه، فعساه يقع في الفاسد المعنى، فيبين جهله، وقد تقدم نظير هذه الآية واستيعاب القول في هذا المعنى، ولا يتجه هنا أن يقال: خاطب على معتقدهم كما يتجه ذلك في قوله تعالى: خير مستقرا فتأمله. وقوله تعالى: اعملوا ما شئتم وعيد في صيغة الأمر بإجماع من أهل العلم، ودليل الوعيد ومبينه قوله تعالى: إنه بما تعملون بصير .

[ ص: 489 ] ثم قال تعالى: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم ، يريد تعالى قريشا، و"الذكر": القرآن بإجماع، واختلف الناس في الخبر عنهم، أين هو؟ فقالت فرقة: هو في قوله تعالى: أولئك ينادون من مكان بعيد ، ذكر النقاش أن بلال بن أبي بردة سأل عن هذا في مجلسه وقال: لم أجد لها نفاذا، فقال له أبو عمرو بن العلاء : إنه منك لقريب، أولئك ينادون .

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

ويرد هذا النظر كثرة الحائل، وأن هنالك قوما قد ذكروا بحسن رد قوله تعالى: أولئك ينادون عليهم. وقالت فرقة: الخبر مضمر تقديره: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم هلكوا أو ضلوا، وقال بعض نحاة الكوفة: الجواب في قوله تعالى: وإنه لكتاب عزيز ، حكى ذلك الطبري ، وهو ضعيف لا يتجه، وسأل عيسى بن عمر عمرو بن عبيد عن هذا، فقال عمرو : معناه في التفسير: إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم، كفروا به وإنه لكتاب عزيز، فقال عيسى بن عمر : أجدت يا أبا عثمان .

قال القاضي أبو محمد رحمه الله:

والذي يحسن في هذا هو إضمار الخبر، ولكنه عند قوم في غير هذا الموضع الذي قدره هؤلاء فيه، وإنما هو بعد حكيم حميد ، وهو أشد إظهارا لمذمة الكفار به; وذلك لأن قوله تعالى: وإنه لكتاب داخل في صفة الذكر المكذب به، فلم يتم ذكر المخبر عنه، إلا بعد استيفاء وصفه، وهذا كما تقول: أتخالف زيدا وهو العالم الودود، الذي من شأنه ومن أمره، فهذه كلها أوصاف. ووصف تعالى الكتاب بالعزة، لأنه بصحة معانيه ممتنع الطعن فيه والإزراء عليه، وهو محفوظ من الله تعالى، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: معناه: كريم على الله تعالى، قال مقاتل : منيع من الشيطان، قال السدي : غير مخلوق.

[ ص: 490 ] وقوله تعالى: لا يأتيه الباطل من بين يديه ، قال قتادة ، والسدي : يريد الشيطان، وظاهر اللفظ يعم الشيطان وأن يجيء أمر يبطل منه شيئا، وقوله تعالى: من بين يديه معناه: ليس فيما تقدمه من الكتب ما يبطل شيئا منه، وقوله تعالى: ولا من خلفه أي: ليس يأتي بعده من نظر ناظر وفكرة عاقل ما يبطل أشياء منه، والمراد باللفظ على الجملة: لا يأتيه الباطل من جهة من الجهات. وقوله تعالى: "تنزيل" خبر ابتداء، أي: هو تنزيل.

وقوله تعالى: ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن مقالات قومه، أي: ما تلقى يا محمد من المكروه منهم، ولا يقولون لك من الأقوال المؤلمة، إلا ما قد قيل ولقي به من تقدمك من الرسل، فلتتأس بهم، ولتمض لأمر الله ولا يهمك شأنهم، والمعنى الثاني: أن تكون الآية تخليصا لمعاني الشرع، أي: ما يقال لك من الوحي وتخاطب به من جهة الله تعالى، إلا ما قد قيل للرسل من قبلك، ثم فسر الله تعالى ذلك الذي قيل لجميعهم وهو: إن ربك لذو مغفرة للطائعين، وذو عقاب أليم للكافرين، وفي هذه الكلمات جماع النهي والزجر والموعظة، وإليها يرجع كل نظر.

التالي السابق


الخدمات العلمية