الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الحادية عشرة :

                                                                                                                                                                                                                                            إذا قلنا لهذه الحروف المتوالية والأصوات المتعاقبة إنها كلام الله تعالى كان المراد أنها ألفاظ دالة على الصفة القائمة بذات الله تعالى فأطلق اسم الكلام عليها على سبيل المجاز ، وأما حديث الحنث والبر : فذلك لأن مبنى الإيمان على العرف ، وإذا قلنا : كلام الله قديم لم نعن به إلا تلك الصفة القديمة التي هي مدلول هذه الألفاظ والعبارات ، وإذا قلنا : كلام الله معجزة لمحمد صلى الله عليه وسلم عنينا به هذه الحروف وهذه الأصوات التي هي حادثة ، فإن القديم كان موجودا قبل محمد عليه الصلاة والسلام ، فكيف يكون معجزة له ؟ وإذا قلنا : كلام الله سور وآيات عنينا به هذه الحروف ، وإذا قلنا : كلام الله فصيح عنينا به هذه الألفاظ ، وإذا شرعنا في تفسير كلام الله تعالى عنينا به أيضا هذه الألفاظ . [ ص: 37 ]

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثانية عشرة :

                                                                                                                                                                                                                                            زعمت الحشوية أن هذه الأصوات التي نسمعها من هذا الإنسان عين كلام الله تعالى وهذا باطل ؛ لأنا نعلم بالبديهة أن هذه الحروف والأصوات التي نسمعها من هذا الإنسان صفة قائمة بلسانه وأصواته ، فلو قلنا بأنها عين كلام الله تعالى لزمنا القول بأن الصفة الواحدة بعينها قائمة بذات الله تعالى وحالة في بدن هذا الإنسان ، وهذا معلوم الفساد بالضرورة ، وأيضا فهذا عين ما يقوله النصارى من أن أقنوم الكلمة حلت في ناسوت صريح ، وزعموا أنه حالة في ناسوت عيسى عليه السلام ، ومع ذلك فهي صفة لله تعالى وغير زائلة عنه ، وهذا عين ما يقوله الحشوية من أن كلام الله تعالى حال في لسان هذا الإنسان مع أنه غير زائل عن ذات الله تعالى ، ولا فرق بين القولين إلا أن النصارى قالوا بهذا القول في حق عيسى وحده ، وهؤلاء الحمقى قالوا بهذا القول الخبيث في حق كل الناس من المشرق إلى المغرب .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثالثة عشرة :

                                                                                                                                                                                                                                            قالت الكرامية : الكلام اسم للقدرة على القول ، بدليل أن القادر على النطق يقال إنه متكلم ، وإن لم يكن في الحال مشتغلا بالقول ، وأيضا فضد الكلام هو الخرس ، لكن الخرس عبارة عن العجز عن القول ، فوجب أن يكون الكلام عبارة عن القدرة على القول ، وإذا ثبت هذا فهم يقولون : إن كلام الله تعالى قديم ، بمعنى أن قدرته على القول قديمة ، أما القول فإنه حادث هذا تفصيل قولهم وقد أبطلناه .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الرابعة عشرة :

                                                                                                                                                                                                                                            قالت الحشوية للأشعرية : إن كان مرادكم من قولكم " إن القرآن قديم " هو أن هذا القرآن دال على صفة قديمة متعلقة بجميع المأمورات والمحرمات وجب أن يكون كل كتاب صنف في الدنيا قديما : لأن ذلك الكتاب له مدلول ومفهوم ، وكلام الله سبحانه وتعالى لما كان عام التعلق بجميع المتعلقات كان خبرا عن مدلولات ذلك الكتاب ، فعلى هذا التقدير لا فرق بين القرآن وبين سائر كتب الفحش والهجو في كونه قديما بهذا التفسير ، وإن كان المراد من كونه قديما وجها آخر سوى ذلك فلا بد من بيانه .

                                                                                                                                                                                                                                            والجواب : أنا لا نلتزم كون كلامه تعالى متعلقا بجميع المخبرات ، وعلى هذا التقدير فيسقط هذا السؤال .

                                                                                                                                                                                                                                            واعلم أنا لا نقول : إن كلامه لا يتعلق بجميع المخبرات لكونها كذبا ، والكذب في كلام الله محال : لأنه تعالى لما أخبر أن أقواما أخبروا عن تلك الأكاذيب والفحشيات فهذا لا يكون كذبا ، وإنما يمنع منه لأمر يرجع إلى تنزيه الله تعالى عن النقائص ، والإخبار عن هذه الفحشيات والسخفيات يجري مجرى النقص ، وهو على الله محال .

                                                                                                                                                                                                                                            واعلم أن مباحث الحرف والصوت وتشريح العضلات الفاعلات للحروف ، وذكر الإشكالات المذكورة في قدم القرآن أمور صعبة دقيقة ، فالأولى الاكتفاء بما ذكرناه والله أعلم بالصواب .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية