الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وحرم لمن لا عذر له صلاة الظهر قبلها ) أما بعدها فلا يكره غاية ( في يومها بمصر ) لكونه سببا لتفويت الجمعة وهو حرام ( فإن فعل ثم ) ندم و ( سعى ) عبر به اتباعا للآية [ ص: 156 ] ولو كان في المسجد لم يبطل إلا بالشروع قيد بقوله ( إليها ) لأنه لو خرج لحاجة أو مع فراغ الإمام أو لم يقمها أصلا لم تبطل في الأصح فالبطلان به مقيد بإمكان إدراكها ( بأن انفصل عن ) باب ( داره ) والإمام فيها ، ولو لم يدركها لبعد المسافة فالأصح أنه لا يبطل السراج ( بطل ) ظهره لا أصل الصلاة ولا ظهر من اقتدى به ولم يسع ( أدركها أو لا ) بلا فرق بين معذور وغيره [ ص: 157 ] على المذهب

التالي السابق


( قوله : وحرم إلخ ) عدل عن قول القدوري والكنز وكره لقول ابن الهمام لا بد من كون المراد حرم لأنه ترك الفرض القطعي باتفاقهم الذي هو آكد من الظهر غير أن الظهر تقع صحيحة ، وإن كان مأمورا بالإعراض عنها .

وأجاب في البحر بأن الحرام هو ترك السعي المفوت لها أما صلاة الظهر قبلها فغير مفوتة للجمعة حتى تكون حراما فإن سعيه بعدها للجمعة فرض كما صرحوا به ، وإنما تكره الظهر قبلها لأنها قد تكون سببا للتفويت باعتماده عليها وهم إنما حكموا بالكراهة على صلاة الظهر لا على ترك الجمعة ا هـ ملخصا واستحسنه في النهر ( قوله لمن لا عذر له ) أما المعذور فيستحب له تأخيرها إلى فراغ الإمام كما يأتي ( قوله فلا يكره ) بل هو فرض عليه لفوات الجمعة ، قال في البحر : فنفس الصلاة غير مكروهة ، وتفويت الجمعة حرام ، وهو مؤيد لما قلنا . ا هـ . يعني أن الكراهة ليست لذات الصلاة بل لخارج عنها ، وهو كونها سببا لتفويت الجمعة بدليل أنه لو صلاها بعد فوت الجمعة لم يكره فعلها بعدها بل يجب . وقد يقال مراد الغاية عدم الكراهة عند الاشتباه في صحة الجمعة فيكون المراد فعلها بعد صلاته للجمعة لا بعد فوتها تأمل ( قوله في يومها ) متعلق بمحذوف حال من الظهر أي الظهر الواقع في يومها احترازا عن ظهر سابق على يومها فإنه لو قضاه قبلها لم يكره بل يجب على ذي ترتيب فافهم ( قوله بمصر ) أما لو كان في قرية فلا يكره لعدم صحة الجمعة فيها .

( قوله لكونه سببا ) قد علمت ما فيه من بحث صاحب البحر ح ( قوله : وهو ) أي التفويت ( قوله اتباعا للآية ) أي لأن السعي مقتض للهرولة مع أن المطلوب المشي إليها بالسكينة والوقار . ا هـ . ح وكأنه اختير التعبير به في الآية للحث على الذهاب إليها والله أعلم . والأولى أن يقول عبر به لأنه لو كان في المسجد [ ص: 156 ] إلخ كما فعل في البحر والنهر أو يقول : ولأنه بالعطف على اتباعا ( قوله لم يبطل إلا بالشروع ) ينبغي تقييده بما إذا كان صلى في مجلسه ، أما لو قام منه وسعى إلى مكان آخر على عزم صلاة الجمعة مع الإمام يبطل بمجرد سعيه تأمل ( قوله لأنه لو خرج لحاجة إلخ ) ولو شرك فيها فالعبرة للأغلب كما يفاد من البحر ط وفيه أن ما ذكره في البحر بالنظر إلى الثواب وهل يتأتى ذلك هنا ؟ محل تأمل والظاهر الاكتفاء بذلك ولو كان الأغلب الحاجة لتحقق السعي إليها وإن كان لا ثواب له تأمل ( قوله أو مع فراغ الإمام ) ومثله بالأولى ما في الفتح لو كان بعد فراغه منها لأنه في الصورتين لا يكون سعيه إليها ولكن هذا مسلم لو كان عالما بذلك وإلا فلا فالمناسب إخراج هذه المسائل بقوله بعده : والإمام فيها تأمل ( قوله أو لم يقمها أصلا ) أي لعذر أو غيره وكذا لو توجه إليها ، والإمام والناس فيها إلا أنهم خرجوا منها قبل إتمامها لنائبة فالصحيح أنه لا يبطل ظهره بحر عن السراج ( قوله فالبطلان به ) أي بطلان الظهر بالسعي إلى الجمعة ( قوله مقيد بإمكان إدراكها ) كذا في البحر وأيده في النهر بما يأتي عن السراج وهو غير صحيح كما تعرفه ( قوله فالأصح أنه لا يبطل سراج ) تبع في هذا صاحب النهر والصواب إسقاط لا .

قال في البحر : وأطلق أي في البطلان فشمل ما إذا لم يدركها لبعد المسافة مع كون الإمام فيها وقت الخروج أو لم يكن شرع ، وهو قول البلخيين .

قال في السراج : وهو الصحيح لأنه توجه إليها ، وهي لم تفت بعد حتى لو كان بيته قريبا من المسجد وسمع الجماعة في الركعة الثانية فتوجه بعدما صلى الظهر في منزله بطل الظهر على الأصح أيضا لما ذكرنا . ا هـ .

قلت : ومثله في شروح الهداية كالنهاية والكفاية والمعراج والفتح ( قوله بطل ظهره ) أي وصف الفرضية وصار نفلا بناء على أن بطلان الوصف لا يوجب بطلان الأصل عندهما خلافا لمحمد ( قوله ولا ظهر من اقتدى به إلخ ) لأن بطلانه في حق الإمام بعد الفراغ فلا يضر المأموم بحر عن المحيط : أي فلا يقال الأصل أن صلاة المأموم تفسد بفساد صلاة الإمام لأنه بعد الفراغ من الصلاة لم يبق مأموما وله نظائر قدمناها في باب الإمامة . منها : ما لو ارتد الإمام - والعياذ بالله تعالى - ثم أسلم في الوقت يلزمه الإعادة دون القوم .

ومنها : ما لو سلم القوم قبل الإمام بعد قعوده قدر التشهد ثم عرض له واحدة من المسائل الاثني عشرية أو سجد هو للسهو ولم يسجدوا معه ثم عرض له ذلك تبطل صلاته وحده فافهم ( قوله أدركها أو لا ) أي ولو كان عدم إدراكه لها لبعد المسافة لما علمت من أن التقييد بإمكان إدراكها خلاف الصحيح فافهم ثم إذا لم يدركها أو بدا له الرجوع فرجع لزمه إعادة الظهر كما في شرح المنية ( قوله : بلا فرق بين معذور وغيره ) قال في الجوهرة والعبد والمريض والمسافر وغيرهم سواء في الانتقاض بالسعي ا هـ وعزاه في البحر إلى غاية البيان والسراج ثم استشكله بأن المعذور ليس بمأمور بالسعي إليها مطلقا فينبغي أن لا يبطل ظهره بالسعي ولا بالشروع في الجمعة لأن الفرض سقط عنه ، ولم يكن مأمورا بنقضه فتكون الجمعة نفلا كما قال به زفر والشافعي قال وظاهر ما في المحيط أن ظهره إنما يبطل بحضوره الجمعة لا بمجرد سعيه كما في غير المعذور وهو أخف إشكالا . ا هـ .

[ ص: 157 ] قلت : ويجاب عنه بما في الزيلعي والفتح أنه إنما رخص له تركها للعذر وبالالتزام التحق بالصحيح ( قوله على المذهب ) عبارة شرح المنية هو الصحيح من المذهب ثم قال خلافا لزفر هو يقول إن فرضه الظهر ، وقد أداه في وقته فلا يبطل بغيره ولنا أن المعذور إنما فارق غيره في الترخص بترك السعي فإذا لم يترخص التحق بغيره . ا هـ .




الخدمات العلمية