الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

التفكير السلبي الوسواسي حول الذات والمقارنات..ما السبيل للقضاء عليه؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أشعرُ بأن لديّ عُقَدًا نفسية وصراعًا داخليًّا، وأحسُّ دائمًا بأنني عديمُ الثقة بنفسي، فعندما أكون مع مجموعة من الأصدقاء أشعرُ دائمًا بأنهم يهملونني ويُهمّشونني، وعندما يتحدثون معي، يتكلمون بطريقة هجومية لا بطريقة التحدث العادية التي يتعاملون بها فيما بينهم.

منذ الصغر، كان لي ابن خالة كثير المزاح مع أخي، أما معي فلا، إذ كان يتحدث معي على سبيل المجاملة وإرضائي فحسب، وكنت أجد دائمًا أن أخي هذا يستحوذ على قلوب أصدقائي جميعًا، وكانت هناك مقارنة دائمة في داخلي بيني وبينه، كما كنت أرى أنه يتعامل مع أبي وأمي -وحتى الآن- بطريقة أفضل مني، وكان يستحوذ على الأضواء داخل البيت بمجرد وصوله.

وعندما نكون في اجتماع عائلي أشعر أنهم يُهمّشونني أيضًا، وعندما ينظرون إليّ ويتحدثون عني أحس بالإحراج ولا أعرف ماذا أقول، وأشعر أنني عندما أتفوه بالكلام لإضحاكهم، فإنهم يضحكون ضحكاتٍ صفراء أو لمجرد حفظ ماء الوجه.

أصابتني تلك الأفكار بتفكير دائم في حالتي هذه، وبذلتُ محاولات كثيرة لإيجاد حل لها، فعندما أجد مجموعة من الأصدقاء يتحدثون لا أستطيع الانخراط معهم في الحوار، وأشعر بأنني لا أعرف كيف أتحدث، ولا أعرف كيف أحافظ على شخصيتي أمام الآخرين، وقد أصبح شغلي الشاغل هو: كيف أجعل مَن أمامي يحبني مثل فلان أو فلان؟!

وعندما أجد شخصًا محبوبًا جدًّا من الناس أحس بالضيق، وأعتقد أن هذا غيرة أو حقد داخلي، وأقول في نفسي: لماذا لا أكون مثل فلان؟ ولكن على الرغم من هذا كله، أجد نفسي عندما أقابل شخصًا لأول مرة، أو أقابله على فترات متباعدة، أكون معه في منتهى المحبة والانطلاق، وتبلغ ثقتي بنفسي عنان السماء، وأجدني وإياه في غاية الاستمتاع بالحديث، ولا سيما عندما أقابل شخصًا للمرة الأولى، فإنني أتعامل معه بمنتهى اللطف، وأشعر من ناحيته أنه أحبني جدًّا وأقبل عليّ كثيرًا.

بمجرد مقابلة شخص جديد، أجد نفسي أتحدث معه من فوق برج عالٍ ولكن بمنتهى اللطف، فأجده يحاول جاهداً التواصل معي والحصول على معلومات أكثر عني، ويحاول تعزيز صداقته معي، ولكن بمجرد مرور شهر أو شهرين، وتحديدًا عندما نلتقي وهو وسط مجموعة من الأصدقاء، أجد هذا البرج قد أصبح حفرةً، وأشعر بأنني أقلّ مَن فيهم، ولا أعرف كيف أتحدث، وأحس أنني سقطتُ من نظره، فيلازمني سيلٌ من الأفكار السلبية دائمًا، في حين أجد نفسي في قمة الانطلاق والمرح عندما أكون وحدي.

عندما التحقتُ بوظيفة جديدة، تعاملتُ بالأسلوب نفسه، ووجدتُ موظفة في غاية الإعجاب بي، تبادلني النظرات والابتسامات، وكنت أشعر -وليس وحدي بل زملائي أيضًا- بأنها في غاية الاهتمام بي، وكانت كما وصفها زملائي عندما التحقتُ بالعمل ملاكًا يمشي على الأرض، وكل واحد منهم يحاول نيل رضاها، وكنت بالنسبة لهم الشخص الذي حقق المعجزة بأنها أعجبت بأحد! ولكن سرعان ما بدأت أفكاري السلبية بالظهور مجددًا، وأحسستُ أن هناك شيئًا ما في شخصيتي يجعل الناس ينفرون مني.

وتسربت إليّ أفكاري السلبية مرة أخرى، ووجدتُ هؤلاء الزملاء الذين كانوا في غاية اللطف معي قد بدأوا يتكتلون ضدي، وبدأت طريقتهم في الكلام تتغير، وأحسستُ أن نجمي قد خف، وانصرفت تلك الفتاة عني وتغيرت معاملتها معي، فمن المؤكد أن هناك مشكلة في شخصيتي.

أنا أقرأ كثيرًا عن الثقة بالنفس، وعندما يؤثر فيّ أحد المقالات أجد نفسي منطلقًا ومرحًا وأتحدث مع الجميع، وألحظ أنهم بدأوا يتجاوبون معي وأن كل العيون انتبهت إليّ، وأشعر حينها بأنني في غاية الانطلاق.

أنا غير راضٍ تمامًا عن شخصيتي، فما الحل؟ وهل هذه عُقَد نفسية؟ هل هذا رهاب اجتماعي، أم فقدان ثقة بالنفس، أم هو إدمان للأفكار السلبية؟

مع العلم أنني أتناول دواء "سيروكسات" (Seroxat) المضاد للاكتئاب، لعلاج حالة اكتئاب وقلق خفيفة أصبتُ بها مؤخرًا، وقد زال القلق تمامًا -بفضل الله-، والاكتئاب لم أعد أشعر به منذ نحو سنة، ولكنني مستمر على العلاج.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فالذي أستطيع أن أستخلصه من رسالتك أنه ومنذ وقت مبكر في حياتك تكونت لديك تجربة وخبرة سلبية حول نفسك وحول مقدراتك، وظلت هذه الفكرة السلبية تلازمك وتحولت إلى شيء من التفكير الوسواسي السلبي حول الذات، وهذه المشكلة يعاني منها الكثير من الناس، أي أن ترسخ لدى الإنسان أفكار سلبية مشوهة كما وصفها أحد العلماء النفسانيين، وتظل هذه الأفكار المشوهة مستمرة وملازمة للإنسان؛ مما يجعله دائماً يقلل من شأن نفسه، بل يقسو على نفسه حين يقيمها ولا يكون منصفاً معها، ويكون منصفاً مع الآخرين بأن يراهم أفضل منه، وحقيقة هم ليسوا بأفضل منه.

أعتقد أن هذا هو الذي تعاني منه، وقد حدث نوع من البناء الوسواسي لهذا النوع من التفكير، وأدى ذلك إلى ما يمكن أن نسميه بفقدان الثقة في النفس، وكما وصفته أنت هو أفكار سلبية مستمرة، لا نقول إدماناً؛ لأن أمر الإدمان ليس وارداً في هذه الحالات، ولكنه فكر سلبي تم بناؤه وتدوينه وترسيخه وتثبيته، وجعلك لا تنظر في الجوانب الإيجابية حول نفسك وشخصيتك.

وبالنسبة لفقدان الثقة بالنفس هو شعور ثانوي وسلبي، وينتج أن الإنسان لا يحكم على نفسه بأفعاله، إنما يحكم على نفسه بمشاعره، وأنا دائماً أقول للإخوة والأخوات أن الإنسان إذا تذكر فقط أن الله قد كرمه هذا يجب أن يعيد ثقته في نفسه.

أيها الفاضل الكريم: يجب أن تسعى لتحقير هذه الأفكار المشوهة حول ذاتك؛ وهذا يقودني أن أطلب منك بأن تعيد تقييم نفسك، وهذا التقييم يجب أن يكون متجرداً، ويجب أن يكون منصفاً، ويجب أن تتجنب القسوة على نفسك.

انظر إلى ما هو إيجابي في نفسك سوف تجد أشياء كثيرة كنت لا تعطيها اهتماماً، ويجب أن يكون تقييمك بادئ ذي بدء قائماً على اعتبار الأشياء الصغيرة.

أنت الآن تضخم وتجسم الصغائر السلبية، وفي نفس الوقت نقول لك يجب أن تعتبر الإيجابيات الموجودة في حياتك، هذه هي نقطة البداية، وهي نقطة مهمة.

بالنسبة للمقارنات التي وضعتها بينك وبين أخيك وأنه أكثر قدرة على التواصل وأنه المفضل لدى والديك؛ هذا أيضاً قائم على الفكر السلبي، ولكن في نهاية الأمر قل: (حتى ولو كان أفضل مني وأكثر مني مهارة فهو أخي، وأنا يجب أن أكون سعيداً، بل أفتخر بذلك)، بالرغم من قناعتي التامة أن الفكر السلبي هو الذي جعلك حقّاً تقيم نفسك بهذه الصورة، وجعلك تدخل في هذه المقارنات ما بينك وبين أخيك، وما بينك وبين الآخرين.

الخطوة الثانية التي أنصحك بها: أن تحتم على نفسك مهاماً يومية تنجز من خلال إحسان إدارة الوقت، وهذه المهام يجب أن تلتزم بها، وفي نهاية اليوم حين تأتي وتجرد ما قمت بإنجازه من أفعال سوف تجد أنك أنجزت الكثير، وهذا -إن شاء الله- يُشعرك بفعاليتك ويجعلك تحس بالرضا.

أخي الكريم: المشاعر السلبية لا بد من تجاهلها، ولا بد للإنسان أيضاً أن يتخذ قدوة حسنة، ابحث عن النموذج الطيب وحاول أن تقلده.

عليك -أخي الكريم- أن تمارس الرياضة؛ لأن الرياضة جيدة جدّاً، وقد اتضح أنها تبني طاقات جسدية وفكرية ونفسية إيجابية جديدة.

نصيحتي لك أن تنخرط في بعض الأنشطة الثقافية والاجتماعية والخيرية الشبابية؛ هذه أيضاً ترفع من معدل الثقة بالذات، وتبني لدى الإنسان الثقة في نفسه.

حاول أن تضع هدفاً أو مشروعاً مستقبلياً، وتسعى لتحقيقه، ضع الآليات التي توصلك لهذا الهدف، وأنا على ثقة تامة -إن شاء الله- سوف تنجز ما تريد.

حين تضع هذه الأهداف وتنظر إلى الحياة خاصة المستقبل بأمل ورجاء؛ هذا -إن شاء الله- يعيد ثقتك في نفسك.

لا أعتقد أنك تعاني من أي رهاب اجتماعي، وكل الأمر هو نوع من الفكر السلبي الوسواسي، والذي مَنشَؤُه -بالطبع- القلق والخبرات النفسية السلبية، خاصة الخبرات في مرحلة الطفولة واليفاعة، والتقييم السلبي للذات كما ذكرت لك.

حاول أن تقيم نفسك بصورة صحيحة، وأن تفهم نفسك وأن تقبلها، وأن تسعى لتطويرها، وذلك حسب المعايير والمحددات التي ذكرناها.

هنالك كتب جيدة متى ما اطلع عليها الإنسان مركزاً على محتواها سوف يستفيد منها، منها كتاب الدكتور عائض القرني (لا تحزن)، وهنالك كتاب جيد للدكتور بشير صالح الرشيدي اسمه (التعامل مع الذات)، وكتاب (كارنيجي) اسمه (دع القلق وابدأ الحياة)، أيضاً من الكتيبات التي ننصح بها وهي مفيدة جدّاً.

بالنسبة للعلاج الدوائي؛ أقول لك: إن الزيروكسات علاج جيد لعلاج الاكتئاب والقلق التوتر والمخاوف والوساوس، وأنت لم تذكر الجرعة التي تتناولها الآن، وأنا أؤيد استمرارك على هذا الدواء، ولكن أعتقد أن الجرعة يجب أن تكون أربعين مليجرام على الأقل -أي حبتين في اليوم- لمدة لا تقل عن ستة أشهر، بعدها يمكن أن تخفض الجرعة تدريجياً وبالصورة التي ينصحك بها الطبيب المعالج.

نسأل الله لك العافية والتوفيق والسداد، ونشكرك على التواصل والثقة في إسلام ويب، وبالله التوفيق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً