الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ما هو أدنى حد من صلة الرحم للأقارب الذين يؤذوننا؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

خالتي وحيدة وغير متزوجة، وتعيش وحدها في مدينة بعيدة عنا بـ 9 ساعات تقريباً، وهي إنسانة خبيثة جداً، تزور المشعوذين، حسودة جداً، لا تتحمل رؤيتنا سعداء، ودائماً ما تفتعل المشاكل لتخرب سعادتنا، فظة! لا تقول كلاماً طيباً أبداً، تُعيّر وتستهزئ كثيراً بكل فرد من أسرتنا، وتتكبر علينا لأنها ميسورة الحال، فعندما تستضيفها تقول لأمي: لماذا صنعت كذا وكذا؟ لو أنك حضرت الطبق الفلاني لكان أحسن، ولماذا لم تغيروا الأثاث، إنكم في حالة مزرية!

قاطعنا زيارتها، وكنا نزورها كل عيد أضحى، رغم ضعف إمكانياتنا لكي تسعد، ولا تبقى وحيدةً، وتحس بدفء العائلة، مع العلم أننا كنا نحن الذين نصرف رغم ضعفنا المادي، وكنا فوق هذا المجهود كله نتأذى نفسياً وجسدياً، فحتى الطبخ كانت أمي هي التي تطبخ رغم ضعف صحتها وقوة صحة خالتي الشديدة.

أصبحنا نصل الرحم معها في الهاتف فقط لشدة الأذى الذي تعرضنا له منها، ومع ذلك تقول لأمي بنتك لا تتصل بي؛ لأن هذه الأخيرة تأذت كثيراً منها، فلطالما غارت خالتي منها وحسدتها وآذتها بطرق عديدة، لهذا لا تتصل بها.

اليوم أمي تريد أن تستضيف خالتي لقضاء عيد الأضحى معنا؛ لأن خالتي أخبرتها بأنها تريد القدوم لمدينتنا بحجة زيارة الطبيب، وغالباً تريد قضاء عيد الأضحى معنا؛ لأن هذه الخالة تقضي شهراً أو أكثر عندما تأتي عندنا، ودائمًا ما تأتي بهذه الحجة، ولكن أمي مترددة ولا تعلم ما الصواب؟ فهل تأثم أمي إن لم تستضفها؟ وماذا يجب فعله؟

جزاكم الله خيراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ AB حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحباً بك في الموقع، ونشكر لكم الاهتمام بأمر الخالة، ونحب أن نؤكد أن الخالة أم، ونسأل الله أن يعينكم على برها، وأن يهديها إلى أحسن الأخلاق والأعمال فإنه لا يهدي إلى أحسنها إلا هو.

لا شك أن المعادلة صعبة، ولكن ينبغي أن نعلم أن صواب البر لا يناله الإنسان إلا بنسيان المرارات، والصبر على الجراحات، ولا يوجد من نال الأذى من أرحامه كالأنبياء -عليهم صلاة الله وسلامه-، وعلى رأسهم يوسف -عليه السلام- الذي آذاه أخوته كما هو معروف، ولكن لما تمكن منهم عندما رفعه الله قال: "لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين".

كذلك رسولنا -صلى الله عليه وسلم- آذوه أرحامه حتى قتلوا عمه حمزة، وابن عمته عبيدة، ورموا بنته حتى طرحت جنينها، وشجوا جبينه -عليه صلاة الله وسلامه-، وكسروا رباعيته، ومع ذلك لما تمكن منهم قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" ثم أعاد عبارة يوسف لا "تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم هو أرحم الراحمين".

وعليه فنحن ندعوكم رغم صعوبة ما ذكرتم من حال هذه الخالة أن تعينوا الوالدة على القيام بما عليها؛ لأن تقصير الخالة والإساءة التي تحدث منها ما ينبغي أن نقابلها بالإساءة، ما ينبغي أن نقابلها بالمثل؛ لأننا نريد جنة الله، ونريد رضوان الله تبارك وتعالى، واجتهدوا دائماً في تفادي الاحتكاك معها، ونسأل الله أن يعينكم على تجاوز الصعاب التي تواجهكم، ولكن حتى لا تحرج الوالدة، وهذه أختها، وهي أيضاً وحيدة بحاجة إليكم رغم الشر الذي فيها، وأنا أقول إذا لم نصبر نحن على خالتنا فعلى من سيكون الصبر، وإذا لم نحتمل من خالتنا فممن سيكون الاحتمال.

وأرجو أن تعلموا أن القطيعة لها، والتقصير في حقها لا يقلل من الشر، بل سيزيد الشر الذي يأتيكم منها؛ لأنها عند ذلك ستبارزكم بالعداوة، ونسأل الله أن يعين الوالدة على القيام بما عليها، وأيضاً نسأل الله أن يصلح هذه الخالة، ونتمنى أن تجد من العقلاء والفاضلات بعض النصائح والتوجيهات، إذا كانت هي مستمرة في إلحاق الأذية بالآخرين، وخاصةً الشباب الصغار -أبناء أختها وبنات أختها-، فهؤلاء لا يمكن أن تكسبهم إلا إذا أحسنت إليهم، ونسأل الله أن يعيننا جميعاً على الوفاء لأرحامنا، والصبر على كبار السن، وعلى من لهم حق علينا، ونسأل الله أن يكتب لكم الأجر.

والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال لمن قال: "إن لي قرابةً أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، أحلم عنهم ويجهلون علي، لم يقل اقطعهم، وحاشاه، وإنما قال: "لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم الملَ -تطعمهم الرماد الحار- كنايةً عما يدخل عليه من الأذى والشر، وثم بشره بتأييد الله فقال: ولا يزال معك ظهير عليهم -يعني نصير من الله- ما دمت على ذلك".

فاستمروا على الإحسان وإن قصرت، واستمروا على الحلم وإن جهلت، واستمروا على الوصل وإن قطعت؛ لأن هذه الرتبة التي ينبغي أن يحرص عليها المؤمن، فقد قال الله للنبي صلى الله عليه وسلم: (خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَٰهِلِينَ).

إن الله يأمرك أن تعطي من حرمك، وتصل من قطعك، وأن تحسن إلى من أساء إليك، ونشكر فكرة السؤال لأنها تدل على أنكم تريدون الخير، وهذا موقع شرعي، فندعوكم إلى ما يرضي الله، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً