الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

دراسة الطب تحتاج لسنوات وأنا أفكر في الأمومة والتربية!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أدرس الآن السنة التحضيرية للكليات الطبية في سوريا، وبعدها يتم فرزي بحسب المعدل إما إلى الطب البشري، أو طب الأسنان أو الصيدلة.

طب الأسنان ليس من اهتماماتي، أما الطب والصيدلة، فهما خياران ممكنان بالنسبة لي.

مشكلة الصيدلة في سوريا أنها تقتصر غالبًا على بيع الأدوية، ولا تتوفر فرص عمل واسعة بسبب كثرة الخريجين، إلا إذا افتتحت صيدليتك الخاصة.

أما الطب ففرص العمل فيه أكبر نسبيًا، بالنسبة لي، فأنا فتاة أحب الهدوء ولا أميل إلى الخروج من المنزل كثيرًا، وأطمح أن أكون أسرة وأهتم بها، وأعلم أن دراسة الطب تحتاج ما يقارب عشر سنوات بين الدراسة والتخصص، بينما الصيدلة خمس سنوات فقط.

وأعتقد أنه إذا درست الطب، وعملت به، فعندما أتزوج سأقصر بالتأكيد في حق أطفالي وزوجي وبيتي، فأنا فقدت أمي، وأشعر تمامًا كم يحتاج الطفل إلى أم ترشده وتنصحه وتعينه، وأن تمنحه كامل اهتمامها، وتعلمه دينه بشكل صحيح، فإذا عملت خارج المنزل، وخاصة كطبيبة، فغالبًا سأقصر تجاههم.

لكن أهلي يريدون مني أن أدرس الطب، وقد وضعوا آمالهم فيّ، ودائمًا ما تراودني أسئلة: إذا درست الصيدلة، هل سأندم في المستقبل؛ لأنني كان بإمكاني دراسة الطب ولم أفعل؟ وهل دراسة الطب قد تقدم نفعًا أكبر لأمتي؟ وهل إذا لم أدرس الطب كما يريد أبي سأكون عاقة وأكسر بخاطره؟

قريبًا سأقدم امتحاناتي، ومن الممكن أن يكون معدلي أقل من المطلوب لدخول الطب، لكن هذه الأسئلة تسيطر علي، وتمنعني من التركيز في الدراسة، وأتمنى أن تقدموا لي النصيحة بأسرع وقت.

كما أفكر أنه إذا لم يسمح معدلي بدخول الطب، أن أدرس الصيدلة، وأختار تخصصًا آخر بجانبها يكون فيه نفع لأمتي، وخصوصًا أن يكون تخصصًا تربويًا، فالإسلام بحاجة ماسة إلى هذا المجال الآن.

جزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ ربا حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركم لتواصلكم معنا وثقتكم بموقعنا.

فهمنا من رسالتك أختي الكريمة أنك تمرين بمرحلة مفصلية في حياتك الدراسية، وتعيشين صراعاً بين طموح الأهل وتوقعاتهم، وبين رؤيتك الشخصية لمستقبلك كأم وصانعة أجيال، وبين طبيعتك النفسية التي تميل للهدوء والاستقرار، وهذا التردد والقلق أمر طبيعي جداً يمر به الطلاب المتفوقون الذين يحملون هماً رسالياً ومسؤولية تجاه أهلهم وأمتهم.

أود أن أحييكِ أولاً على برك بوالدك، وحرصك على مشاعره؛ فهذا دليل على نبل أخلاقك، لكن يجب أن تدركي أن اختيار التخصص الجامعي هو قرار يتعلق بمسار حياتك اليومي لسنوات طويلة، والبر بالوالدين لا يعني بالضرورة تحقيق رغباتهم المهنية إذا كانت تفوق طاقتك، أو تتعارض مع أهدافك الأسرية السامية.

بر الوالدين يكون بالإحسان إليهما، وطاعتهما في المعروف، والنجاح في تخصصك (أياً كان) هو أكبر إدخال للسرور على قلب والدك، لستِ عاقة إذا اخترتِ الصيدلة وأبدعتِ فيها، فالعقوق هو الإساءة والجفاء، وليس اختيار مسار مهني يحقق لكِ التوازن النفسي والأسري.

ثانيا: لفت انتباهي تفكيرك العميق في دورك كأم، وهذا وعي يفتقده الكثيرون، إن تربية جيل مسلم صالح، في ظل فقدانك لوالدتك -رحمها الله- وشعورك بقيمة وجود الأم، هو أعظم ثغر يمكن أن تسديه لأمتك، يقول النبي ﷺ: (والمرأة راعية في بيت زوجها، ومسؤولة عن رعيتها)، الطب مهنة شريفة، لكن الصيدلة أيضاً علم عظيم ونفعها متعدٍ، وتوافق طبيعتك الهادئة ورغبتك في الاستقرار المنزلي.

ثالثًا: الخوف من الندم مستقبلاً هو وهم يغذيه التفكير الزائد، الندم الحقيقي لا يأتي من عدم دراسة الطب، بل يأتي من دخول مجال يستهلك طاقتك، ويحرمك من الاستمتاع ببيتك وأطفالك إذا كانت تلك هي غايتك الكبرى.

الصيدلة في سوريا، وإن كان فيها تحديات، إلا أنها تمنحكِ مرونة زمنية أكبر بكثير من الطب البشري الذي يتطلب مناوبات ليلية، وتخصصات مجهدة، قد لا تتناسب مع رغبتك في عدم الخروج كثيراً.

من الأمور التي سوف تعينك -بإذن الله-:
• اتركِي التفكير في الفرز لما بعد الامتحانات، اجتهدي لتحصلي على أعلى معدل ممكن؛ لأن المعدل المرتفع يعطيكِ قوة الاختيار، وحينها يكون قرارك نابعاً من إرادة لا من عجز.

• بعد الامتحانات، اجلسي مع والدك وأخبريه بتقديرك لطموحه، ولكن اشرحي له رؤيتك لرسالتك في الحياة، وأنكِ تريدين تخصصاً يتيح لكِ بناء أسرة قوية، فالأب المحب يسعد براحة ابنته ونجاحها في المجال الذي تبدع فيه.

• إذا اخترتِ الصيدلة، يمكنكِ بجانبها دراسة علوم تخدم الأمة تربوياً مثل: (أصول التربية الإسلامية، علم النفس التربوي من منظور إسلامي، أو الالتحاق بدورات متقدمة في الإرشاد الأسري وتعديل السلوك)، الأمة اليوم بحاجة ماسة إلى أم مربية متعلمة تفهم نفسية الطفل وتربطه بدينه في زمن الفتن.

• صلي صلاة الاستخارة، فما خاب من استخار الخالق، وشاور المخلوق، فوضي أمرك لله، وسيقدر لكِ الخير حيث كان.

أما عن الجانب النفسي، فما تمرين به هو حالة من قلق الاختيار، وازدحام الأفكار، حاولي ممارسة تمارين التنفس والاسترخاء.

تذكري قول الله عز وجل: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُۥٓ﴾، الصيدلة ليست مجرد بيع أدوية لمن أراد أن يطور نفسه في البحث العلمي أو الصيدلة السريرية، أو حتى في إدارة مشروعه الخاص بذكاء.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل، وأن يوفقك في امتحاناتك ويقر عينك بما تحبين وتتمنين.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً