الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

رحل أبي وصار ضميري يؤنبني على لحظات الإساءة إليه!

السؤال

السلام عليكم

توفي أبي منذ ثلاثة أشهر، كنتُ -وسأظل- أحمد الله على أن رزقني أبًا رحيمًا مثله، لم أتوقع وفاته، دعوتُ الرحمن أن ينقذه، وكنت على يقين بالإجابة؛ لأن ربي لم يخذلني يومًا، لكنه رحل وترك قلبي مكسورًا.

الآلام تعتصرني، كان أبي محبًّا للحياة، وأفكر كثيرًا: كيف واجه الموت وحده؟ ما مصيره الآن؟ وفكرة أنني لن أراه مجددًا وحدها تؤذيني، كان عمره 67 عامًا، وكنت أتمنى أن يبقيه الله معي، أريد فقط أن أطمئن عليه.

واليوم يعذبني تأنيب الضمير ويخنقني، أتذكر لحظات أسأت فيها معاملته؛ وهذا يجعلني أشعر وكأنني شيطان، إخوتي ابتعدوا عني، كلٌّ منهم وجد سببًا يُقنعه وابتعد، وفي لحظات غضب تفوّهت بكلمات جارحة، وهم أيضًا ردّوا عليّ، لكن أكثر ما يؤلمني أن أختي، التي كانت مقرّبة مني، اتهمتني بأمور حدثت قبل وفاة أبي، وقررت أن تهجرني، وها أنا الآن أكابد آلام الفقد وتأنيب الضمير والهجران.

أما أمي، فقد كانت تسيء معاملة أبي كثيرًا، ولا أدري كيف أتصرف معها الآن، إن تعاملت معها وكأن شيئًا لم يكن فلا أستطيع، وإن هجرتها فلا أستطيع أيضًا.

أبي كان طيبًا جدًا وحنونًا، هينًا لينًا، لم أشبع منه، والألم لا يوصف، وعندما أرى الجيران الذين ظلموه، لا أدري لماذا يشتد ألمي أكثر، ولا أعلم هل سيعفو عني ربي؟ وهل سيسامحني والدي؟

حاليًا أنا في ضياع وألم شديد لا يوصف، ورمضان يقترب، وسيكون أول رمضان بدونه.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ Rive حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -أختنا الفاضلة- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياكِ إلى صالح القول والعمل.

بدايةً: نسأل الله تعالى أن يرحم أباكِ رحمةً واسعة، وأن يربط على قلوبكم بالصبر والسلوان، وأن يلهمكم الرضا بقضائه وقدره، وحسن التسليم لتدبيره وحكمته.

أختي الفاضلة، إن فقد الوالدين من أعظم ما يحزن القلب ويؤلمه؛ لأن الوالدين بابان عظيمان من أبواب الجنة، فإذا غادر أحدهما أو كلاهما الدنيا فقد أغلق بابٌ عظيم من أبواب البر في حياتهما، ولذلك كانت المبادرة إلى برهما، والمبالغة في الإحسان إليهما وإكرامهما، من أجلِّ أبواب الخير التي ينبغي للمؤمن أن يسعى إليها وألا يقصِّر فيها ما دام السبيل إلى ذلك مفتوحًا.

أختي الفاضلة، إن الله تعالى وعد عباده بالإجابة، غير أن إجابة الله سبحانه وتعالى تأتي على أوجه متعددة، كما بيَّن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، أو يدخرها له في الآخرة، أو يصرف عنه من السوء مثلها).

فالله سبحانه قد استجاب دعاءك، ولكن الاستجابة كانت بما هو خير لوالدك، لا بما ظننته أنتِ خيرًا، فأنتِ بعلمك المحدود ترين أن بقاءه في الحياة هو الأفضل، أما الله تعالى فبعلمه المحيط، وحكمته البالغة، وقدرته التامة، يعلم أن رحيله في هذا التوقيت هو الخير له، لحكمة يعلمها سبحانه، فقد تكون الحياة زيادةً له في أعباء أو ابتلاءات أو مشقات لا نعلمها، وربما كان في بقائه ما يثقل كاهله أو يعرّضه لما هو أشد، ولكن الله بحكمته يختار لعبده ما يصلحه وينفعه.

ولا بد للمؤمن من الإيمان والتسليم لقضاء الله تعالى، والرضا التام بما يقدره ويدبره؛ فهو أعلم بخلقه، وأدرى بما يصلحهم وينفعهم، وهو صاحب الحكمة والعلم والقدرة والإحاطة، قال الله تعالى ﴿.. وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

أختي الفاضلة، إن المؤمن الصالح المستقيم على حدود الله وشرعه يكون لقاؤه بربه من أسعد اللحظات، إذ طالما أحب الله، وطالما دعاه، وصلى له وعبده وتقرب إليه، قال الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾.

ولا بد أن يكون لديك يقين بأن الرحيل من هذه الحياة سنة ماضية على جميع الأحياء، ولن ينجو أحد من الموت؛ فقد مات الأنبياء والعلماء والصالحون، ومات خير البشر، وسيد الأولين والآخرين محمد صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾، فلا ينبغي أن يتسلل إلى قلب المؤمن الجزع أو السخط أو الاعتراض على قدر الله؛ لأن لحظات المصائب هي مواضع امتحان الإيمان وصدق الرضا بقضاء الله، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط، وقد مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر، فقال لها: (اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي)، فقالت: إليك عني، فإنك لم تُصَب بمصيبتي ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وسلم، فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى).

فلا ينال العبد الأجر والثواب عند نزول المصيبة إلا إذا اعتصم بالله، وصبر ورضي، ولم يطلق لسانه ولا قلبه بما لا يرضي الله تعالى، فلا سخط ولا تضجر ولا اعتراض، بل تسليم وامتثال لأمر الله وتقديره، قال الله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ولا شك أنك مأجورة على صبرك واحتسابك ورضاك، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه).

ولا ريب أن المؤمن يلتقي بمن يحبهم في جنات النعيم من أهل الإيمان والصلاح والتوحيد، وهذا من تمام النعيم وكماله، فعليك أن تعيشي على التوحيد والاستقامة على أمر الله، حتى تلقَي الله تعالى، فيجمعكِ بمن تحبين في الجنة بحوله وقوته، قال الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾.

أختي الفاضلة، يقول الله تعالى ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ فالندم الذي تشعرين به هو عين التوبة الصادقة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الندم توبة)، فهذا الألم الذي تجدينه على فراق والدك، وهذا الشعور بالتقصير في حقه، دليل حياة قلبك، وهو بداية الطريق إلى التوبة النصوح الصادقة، فالله كريم عفو يقبل التوبة ويغفر الزلة.

أما بعد وفاته -رحمه الله- فإن باب الإحسان إليه ما يزال مفتوحًا بفضل الله وكرمه، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)، فلكِ أن تسابقي في هذه الأبواب بعد وفاته، وأن تكوني أنتِ الولد الصالح الذي لا يفتر عن الدعاء له في كل وقت، والاستغفار له، والصدقة عنه، وقضاء ديونه إن وجدت، وصلة الأرحام التي لا توصل إلا به.

فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، (هل بقي من بر أبوي شيء بعد موتهما أبرهما به؟ قال: (نعم، خصال أربع: الدعاء لهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما) فبادري إلى هذه الأعمال؛ فإنها من فضل الله تعالى الذي أبقى للولد سبيلًا لبر والديه حتى بعد وفاتهما.

أختي الفاضلة: أما ما يتعلق بأمك، فلا تكرري معها ما تندمين عليه اليوم في شأن والدك، فإذا كان والدك قد رحل -رحمه الله-، فلا تقصري في حق أمك أبدًا، حتى لو كان بينها وبين والدك خصومات أو تقصير، فإن برها والإحسان إليها وصحبتها بالمعروف من أعظم أبواب الخير، قال الله تعالى ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾.

وحتى إن صدر منها تقصير في حق والدك، فإن صاحب الحق قد انتقل إلى الله، وما عليك تجاهها إلا البر والإحسان، دون إحياءٍ لخصومات الماضي أو محاكمة لما مضى، واجتهدي في ألا يظهر منك بغض أو ضغينة، واجعلي ما فاتك من بر والدك حافزًا إلى مزيد من البر بوالدتك.

وأما ما حدث من هجر إخوتك، فلا يليق بالمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث)، فبادري أنتِ بالوصل ولو لم يستجيبوا؛ فإن صلة الرحم عبادة وقربة إلى الله، وليست معاملةً بالمثل.

وقد قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال: (لئن كنت كما قلت، فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك).

أختي الفاضلة: اجعلي رمضان فرصةً للإكثار من الدعاء لوالدك، والصدقة عنه، واجعليه موسمًا لتطهير القلوب وإزالة الشحناء بينك وبين أهلك؛ فلو كان والدك حيًا لما رضي بالشقاق والخصومة بينكم، وهم أرحامك الذين أمرك الله بصلتهم والإحسان إليهم.

أكثري من الدعاء، وتقربي إلى الله بالأعمال الصالحة، ولا تبالغي في الحزن؛ حتى لا يجد الشيطان إلى قلبك سبيلًا بالقنوط واليأس وعدم الرضا بقدر الله؛ فإن المبالغة في الحزن قد تجر إلى السخط والاعتراض، وهذا ما يريده الشيطان.

إن والدك الآن أحوج ما يكون إلى دعائك وصدقتك وإحسانك، ولا يسره أن يرى بينكم خصومة أو قطيعة، فكوني بارةً به بعد وفاته، وعوّضي ما مضى ببر والدتك والإحسان إليها قدر استطاعتك.

وفقكِ الله، ويسر أمرك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً