الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحيرة بين الزواج، وطلب العلم، وطلب الرزق، أيها أقدم؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كلّ عام وأنتم بخير.

أنا طالب في السنة الأخيرة بكلية الهندسة، وأبلغ من العمر 22 عامًا، وأكاد أتخرّج بإذن الله تعالى.

أحمد الله أنّني أؤدّي الفروض وأجتهد في النوافل قدر المستطاع، وكما تعلمون فإنّ الدراسات الهندسية أحيانًا تتطلّب دراسات عليا أو إضافية بعد التخرّج، خاصةً وأنّ سوق العمل أصبح أصعب بكثير من السابق، وربما تكون الدراسة بالخارج خيارًا، لكنّي أخشى على نفسي من الفتن، إذ أعلم نقاط ضعفي.

أعمل أحيانًا بشكل متقطّع بجانب الدراسة، لكن ليس بصورة دائمة، وما زلت أعتمد على ما يعطيني أبي، مع حرصي على التقليل والتقشّف، حتى لا أثقل عليه.

عليّ أداء الخدمة العسكرية العام المقبل، ويمكنني العمل في فترة الإجازات إن رزقني الله بعمل، فقد تعرّفت إلى فتاةٍ في الجامعة، وهي ذات دينٍ وخلق، وأخشى أن تضيع منّي، مع العلم أنّه لا توجد بيننا علاقة غير شرعية ولا كلام كثير، وإنّما أحسبها على خير، أرغب في التقدّم لخطبتها، لكن هناك معيقات ذكرتها، منها رغبتي في طلب العلم والعمل في مجالي، والحمد لله لديّ شقة وبعض المال، لكنّها تحتاج إلى بعض التشطيبات، إضافةً إلى نفقات الزواج، وهو أمر يشقّ عليّ، لكنه ليس بعيدًا.

أخشى الفتن، والحرام الذي أصبح متاحًا وسهلًا في كل مكان، على الشاشات وفي الواقع، وهذا يرهقني نفسيًّا مهما قاومت، أستعين بالله كثيرًا، لكنّي أضعف أحيانًا، مما يزيد من تعبي النفسي، فما نصيحتكم لي؟ هل أُقدِم على الخطبة، وربما أضطرّ للعمل في مجال بعيد عن تخصّصي، أم أُكمِل طلب العلم وأترك فكرة الزواج الآن، رغم أنّ ذلك يحزنني؟

وفي النهاية أشكركم، وأسأل الله أن يبارك في أوقاتكم ويعينكم على إعانة الناس، وأطلب منكم أن تدعوا الله لي بالرشد في أمري.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يرزقك الرشد في أمرك، وأن يبارك لك في دينك ودنياك.

ما ذكرتَه يدلّ على عقلٍ راشد وقلبٍ حيّ، وهذه من أجلّ النعم التي أنعم الله بها عليك؛ لذا دعنا نرتّب الجواب فيما يلي:

1- الأصل الذي ينبغي أن تبني عليه قرارك، أن حفظ الدين مقدم على توسعة الدنيا، فإذا كنت تخشى على نفسك الفتنة خوفًا حقيقيًّا، فإن الزواج في مثل هذه الحالة مقدم، فهو وسيلة إعفاف وحماية، خاصة مع شدة الفتن وسهولة الحرام، ولعل ما تشعر به من تعب نفسي بسبب المجاهدة، دليل على أنك تحتاج إلى سياج يحفظك.

2- ما دمت تملك أصل السكن وبعض القدرة، ولو مع شيء من الضيق، فهذا في الجملة يكفي لبداية الزواج؛ فالحياة لا تبدأ كاملة، بل تُبنى، وكثير من الناس بدؤوا بأقل مما عندك، ثم فتح الله عليهم.

3- لا تجعل كمال الاستقرار شرطًا لبداية الزواج؛ لأن هذا الشرط هو الذي يؤخر كثيرًا من الشباب، حتى تضعف نفوسهم، أو يقعوا في الحرام، والشرع لم يشترط الكمال، بل القدرة المعقولة.

4- الجمع بين الزواج وطلب العلم والعمل ممكن، لكنه يحتاج إلى تنظيم وتدرج، لا مثالية، فقد تبدأ بعمل بسيط مؤقتًا، ثم تنتقل بعد ذلك إلى ما يناسب تخصصك، وهذا لا يعيبك، ولو استخدم الإنسان الأوقات المهدرة منه، لوجد أن عنده من الوقت ما يكفيه وزيادة، خاصة مع تطور الوسائل للحصول على المعرفة، فقد تستطيع تحميل ما تريده من مواد شرعية لأكابر المشايخ، والاستماع إليها في طريقك، وفي سفرك وفي أوقات راحتك، والشاهد أن الجمع بين الأمرين ممكن.

5- الخدمة العسكرية مرحلة مؤقتة، ويمكن أن تكون الخِطبة قبلها أو في بدايتها، مع تأجيل الدخول حتى تستقر الأمور، وبهذا تحفظ الفتاة لنفسك، دون أن تتحمل كل الأعباء دفعة واحدة.

6- ما ذكرت من خوفك على نفسك في حال السفر مهم جدًّا، فليس كل الناس سواء، ومن الحكمة أن لا يضع الإنسان نفسه في بيئة يعلم أنه يضعف فيها إلا وهو محصن.

7- لا تتعلق بالفتاة تعلقًا عاطفيًّا قبل أن تحسم الأمر، فإما أن تتقدم لها بطريقة واضحة شرعية، أو تصرف قلبك عنها؛ لأن التردد مع القرب العاطفي يتعب القلب والتدين معه، لذا استخر الله أولًا واستشر الناس ثانيًا، وإن رأيت من نفسك صدقًا في الرغبة في الزواج، وقدرة مقبولة، وخوفًا من الفتنة، فالتقدم هنا أقرب للصواب من التأجيل الطويل، أمَّا إن وجدت أن الأعباء ستكسر ظهرك تمامًا، أو أنك لن تستطيع الجمع بين الأمور، فحينها يؤجل مع ضبط النفس، وغض البصر، والاجتهاد في الصيام، والبعد عن المثيرات.

8- اجعل نيتك في الزواج نية عبادة، وإعفاف لنفسك، وبناء بيت صالح، لا مجرد تعلق بفتاة؛ لأن النية إذا صحت أعانك الله على الطريق.

وفي الختام، أنت أمام خيارين كلاهما فيه خير، لكن ميزانك هو دينك، فما كان أحفظ لقلبك وأبعد لك عن الحرام فهو أولى، فاستخر واستعن بالله، ولا تتردد طويلًا، فإن الله إذا علم منك صدقًا فتح لك أبوابًا لم تكن تراها، والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً