الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أقع في ذنب متكرر وكلما تبت منه عدت إليه، فما الحل؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة، عمري 24 سنة، أقع في ذنبٍ بشكل متكرر، وفي كل مرة أتوب وأستغفر الله، حتى إنني عاهدت الله مرات عديدة على ترك هذا الذنب، وفي كل مرة أنقض العهد، ثم أتوب وأصوم ثلاثة أيام.

في آخر مرة غضبت من نفسي كثيرًا، ودعوت الله أنني إن رجعت إلى الذنب مرة أخرى، فلا يتقبل دعائي بعد الآن، وأنا خائفة من دعائي هذا على نفسي، فليس لي من دون الله وليًا ولا نصيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ نهيلة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -ابنتنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، نشكر لكِ تواصلك بالموقع، وبدايةً: نسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته أن يتوب عليكِ، ويثبتكِ على هذه التوبة.

وقد أحسنتِ -ابنتنا العزيزة- حين أدركتِ أنَّ الإنسان المسلم مطالب بأن يتبع ذنبه بالتوبة، وهذا من توفيق الله تعالى لكِ، فنسأل الله أن يقبل توبتكِ، ويغفر ذنوبكِ، وقد قال النبي ﷺ: «وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا».

والتوبة يمحو الله تعالى بها الذنب مهما كان ذلك الذنب كبيرًا، فقد قال النبي الكريم -صلوات الله وسلامه عليه-: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ»، والله تعالى أخبرنا في كتابه أنه يبدل سيئات التائب حسنات، وهذا فضل عظيم من الله تعالى.

والتوبة -أيتها البنت العزيزة- لها أركان ثلاثة، إذا حصلت صحت هذه التوبة، وقبلها الله، وغفر ذنب صاحبها، وهذه الأركان الثلاثة:
- أولها: العزم في القلب على عدم الرجوع إلى هذا الذنب في المستقبل.
- وثانيها: الندم على فعله لهذا الذنب.
- وثالثها: الإقلاع عن الذنب في الوقت الحاضر.

فإذا أقلع الإنسان عن ذنبه، وهو عازم على عدم الرجوع إليه في المستقبل، مع تألُّم قلبه بسبب فعله لهذا الذنب في الماضي، فقد تاب توبةً مستوفيةً لأركانها، وهذه التوبة يقبلها الله كما أخبرنا في كتابه فقال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}.

وكما تلاحظين: أنه لا بد من عزمٍ في القلب على عدم الرجوع إليه في المستقبل، وهذا لا يعني أنَّ هذا الإنسان لن يرجع إلى الذنب في المستقبل، فالإنسان ليس معصومًا، فقد قال النبي ﷺ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ»، فهو قد يقع في الذنب في مستقبل الأيام، ولكنه في وقت التوبة كان عازمًا صادقًا في أنه لن يرجع إلى الذنب، فإذا قدَّر الله تعالى عليه بعد ذلك أنه رجع إلى الذنب مرةً أخرى، فمطلوب منه أن يُحدث توبةً جديدةً لهذا الذنب، وهكذا يبقى الإنسان دائمًا على هذه الحال، كلما أذنب ذنبًا يجدد له توبةً مستوفيةً لأركانها.

وما دام على هذا الحال فإنَّ الله تعالى يغفر له ذنوبه، وهذا من فضل الله تعالى علينا وكرمه بنا، فقد قال الرسول ﷺ في الحديث القدسي الذي يرويه عن ربه، كما في صحيح مسلم، فيما يحكي عن ربه عز وجل أنه قال: «أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيأْخُذُ بِالذَّنْبِ، اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ».

ومعنى قوله: «اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ» كما يقول العلماء أنه مادمت تتوب بعد ذنبك فإنَّ الله تعالى يغفر لك هذا الذنب، فأبشري بفضل الله تعالى ورحمته، فكونه -سبحانه وتعالى- وفقك للتوبة والندم ومعاقبة نفسك كل هذا يدل على أنه سبحانه أراد بكِ خيرًا.

وأمَّا هذا الدعاء الذي دعوتِ به على نفسك أنه إذا وقع الذنب مرةً ثانيةً لا يتقبل منكِ دعاء، فهذا دعاء على نفسك ولا ينبغي لكِ أن تفعليه، وقد قال النبي ﷺ: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ».

ولكن نرجو الله تعالى ألَّا يتقبل منكِ هذا الدعاء، فإنَّ الله بشرنا بهذا أيضًا في كتابه الكريم فقال: {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ}، يعني أنه -سبحانه وتعالى- لا يعجل لنا بإجابة دعائنا الذي ندعو به على أنفسنا، وهذا من رحمته، فأحسني ظنك بالله تعالى، وأقبلي على إصلاح شأنك والتوبة من ذنوبك.

وخير ما نوصيكِ به الرفقة الصالحة، فحاولي أن تتعرفي إلى البنات الطيبات والنساء الصالحات، فتكثري من التواصل معهنَّ وقضاء الأوقات معهنَّ، فهنَّ خير من يعينكِ على الثبات على الأعمال.

نسأل الله تعالى أن يوفقكِ لكل خير.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً