الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

زوجي يعلقني ويعاملني بقسوة وعنف، فكيف أتصرف معه؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

زوجي شخص قاسٍ جداً وعنيف، ويتصرف بجنون معي لأسباب سخيفة؛ كأن أُحرّك كأسه من مكانه مثلاً، أو أُغلق الباب بقوة دون قصد مني، فيهجم عليَّ ويدفعني، ويمسك يدي بقوة كأنه يريد كسرها، ويطردني من غرفة النوم مثلاً لأنه يتضايق من صوت نَفَسي.

حملتُ وتوفيت ابنتي في بطني في الشهر الثامن، فأصبح يلومني بعدها ويقول: (أنتِ السبب)، رغم أنه كان قضاء الله وقدره، ولم يكن الأمر بيدي.

لقد كرهتُه وطلبتُ الطلاق، ولكنه بالطبع يرفض؛ إذ يريد أن يتركني هكذا معلقة، وأن أعيش وفق مزاجه كما يقول! تعبتُ ولا أعرف ماذا أفعل، علماً بأنني في بلد أجنبي بعيدة عن أهلي، ووضع والدي الصحي صعبٌ الآن؛ فلا أريد أن أُشغلهم بمشاكلي، فصحة والدي الآن أهم عندي، خصوصاً أن لديه عملية جراحية قريبة.

أريد الطلاق والخلاص فقط، ولا أعرف كيف، فهو شخص لا يستمع لأحد، ولا يهمه أحد حتى أشكوه لأهله مثلاً.

شكراً لكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ مجهول حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -أختنا الكريمة- في شبكة إسلام ويب، وردًّا على استشارتكِ أقول، ومن الله أستمد العون:

قرأتُ استشارتكِ بتمعن، وشعرتُ بالألم الذي تعانين منه، وأسأل الله العظيم أن يكتب لكِ الأجر والثواب، وأن يربط على قلبكِ في مصاب فقدِ حملك، وأن يجعل لكِ من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا.

أختنا الكريمة، لقد اجتمع عليكِ بلاءان عظيمان: فقدُ ابنتكِ في أواخر الحمل، وما تعانينه من معاملة قاسية وعنف متكرر من زوجكِ، ومثل هذه الظروف تترك أثرًا نفسيًا عميقًا من الحزن والإرهاق والشعور بالوحدة، لا سيما مع البعد عن الأهل والغربة، ولذلك فإن ما تشعرين به من ضيق وألم وردة فعل تجاه هذا الواقع أمرٌ مفهوم وطبيعي.

واعلمي أن ما تعانين منه هو نوع من الابتلاء الذي يرفع الله به منزلة المؤمن، ويُكفّر به سيئاته، كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه).

والجزاء يكون على قدر البلاء، فإن عظم البلاء عظم الجزاء، والابتلاء عنوان محبة الله للعبد، يقول عليه الصلاة والسلام: (إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ)، فعليكِ بالرضا بقضاء الله وقدره، وحذارِ من التسخط، وإلا فالجزاء من جنس العمل.

وكل ما يحصل للمؤمن في حياته إنما يسير وفق قضاء الله وقدره، ولعلكم في حال تقدم هذا الرجل لخطبتكِ قصرتم في البحث عن دينه وخلقه فكانت هذه النتيجة، ومع ذلك لا نيأس؛ فيمكن إصلاحه -بإذن من الله تعالى-، وآمل أن تمعني في تدبر هذه الآية والأحاديث النبوية، يقول تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)، وقال عليه الصلاة والسلام: (قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)، ولما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: (اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة)، وقال عليه الصلاة والسلام: (كل شيء بقضاء وقدر، حتى العجز والكيس)، والكيس الفطنة.

يقول ربنا سبحانه: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾، فوفاة ابنتكِ كانت بقضاء الله وقدره، والأصل أنه لا يجوز لأحد أن يحملكِ مسؤولية ذلك بغير بينة ظاهرة، أو تقرير طبي معتبر.

ودفعكِ بعنف من قبل زوجكِ، والإمساك بيدكِ بقوة مؤذية، وطردكِ من غرفة النوم، والانفعال الشديد لأسباب يسيرة، كل هذه ليست من المعاشرة بالمعروف التي أمر الله بها، بل هي صورة من صور الظلم والإيذاء، قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقال سبحانه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.

والمرأة لا يكرمها إلا كريم، ولا يهينها إلا لئيم، ولذلك ما كان رسولنا الكريم يضرب بيده قط، كما قالت أمنا عائشة -رضي الله عنها- فيما رواه مسلم في صحيحه: "ما ضرب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- شيئًا قط بيده، ولا امرأة ولا خادمًا"، وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي".

وننصحكِ بالصبر، فالصبر عاقبته خير، وتجنبي المواطن والمواقف التي تجعل زوجكِ يتعصب، ومع هذا فإن الصبر الذي يحبه الله لا يعني قبول الإهانة أو تمكين الظالم من الظلم، وإنما يعني الثبات على طاعة الله وحسن التصرف عند البلاء، مع السعي المشروع لرفع الضرر ودفع الأذى بالطرق المشروعة.

ومن القواعد الشرعية قاعدة: "لا ضرر ولا ضرار"، كما أخبر بذلك نبينا عليه الصلاة والسلام.

ومن خلال استشارتكِ ظهر لي أن المشكلة ليست مجرد سوء تفاهم عابر أو خلاف زوجي معتاد، بل نمط متكرر من العنف الجسدي والنفسي، خاصة أنكِ ذكرتِ أنه لا يقبل النصح، ولا يستجيب لأحد، ويصر على إبقائكِ في وضع يوافق هواه دون مراعاة لحقوقكِ ومشاعركِ، ولهذا فإن من حقكِ شرعًا أن تسعي لرفع الظلم والأذى النفسي والجسدي عن نفسكِ، بالطرق التي تحفظ حقكِ ولا تهدم بيتكِ.

سأضع بين يديكِ بعض الحلول العملية، لعل الله أن ينفعكِ بها:

أولًا: نوصيكِ بالاستقامة على دين الله من خلال أداء الصلوات الخمس في أوقاتها، مع المحافظة على النوافل، والإكثار من الدعاء، واستغلال أوقات الاستجابة كأثناء السجود، والثلث الأخير من الليل، وأثناء نزول المطر، واطلبي من والديكِ الدعاء، فدعوة الوالد لولده مستجابة.

ثانيًا: الزمي الاستغفار، وأكثري من الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، فذلك من أسباب تفريج الهموم وتنفيس الكروب، ففي الحديث: (مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمِّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)، وقال لمن قال له: أجعل لك صلاتي كلها؟: (إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ).

ثالثًا: أكثري من دعاء ذي النون، فقد ورد في الحديث: "دعوةُ ذي النُّونِ؛ إذ دعا بها في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين، فإنه لن يدعو بها مسلم في شيء إلا استجاب له".

رابعًا: استغلي أوقات راحة زوجكِ النفسية في الحوار الهادئ الهادف، وتعرفي على ما يحبه وما يكرهه، واجتهدي في كسب قلبه بشتى الطرق.

خامسًا: لا تهملي نفسكِ بسبب هذه الأحداث، بل كوني على سبيل الدوام بأبهى حلة، متزينة ومتجملة لزوجكِ، وقومي بواجباتكِ على الوجه الذي يرضي الله، من التفنن في تجهيز طعامه وتهيئة ملابسه، وأحسني استقباله وتوديعه، فلعله إن رأى ذلك منكِ استحيا من نفسه، فبادر بالاعتذار.

سادسًا: أكثري من التضرع بالدعاء بين يدي الله تعالى أن يصلح الله زوجكِ، وأن يبصره بعيوبه، ويحسن أخلاقه، وليكن دعاؤكِ بإلحاح، وبقلب حاضر واعٍ، وأحسني الظن بالله، وكوني موقنة بأن الله سيستجيب لكِ وسيصلح زوجكِ، فما خاب عبد أحسن الظن بربه، وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، إِنْ ظَنَّ خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ".

سابعًا: ورد من حديث عائشة -رضوان الله عليها- أنها قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إذا قال العبد: يا رب، يا رب، يا رب، قال الله: لبيك عبدي، سل تعط)، وعن عطاء قال: ما من عبد يقول: يا رب، يا رب، يا رب، ثلاث مرات إلا نظر الله إليه، فذكرت ذلك للحسن، فقال: أما تقرؤون القرآن: (ربنا إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان) إلى قوله: (فاستجاب لهم ربهم)، وقال يزيد الرقاشي عن أنس: ما من عبد يقول: يا ربِّ، يا ربِّ، يا ربِّ، إلا قال له ربُّه: ((لبيك لبيك)).

ثامنًا: عززي القرب من زوجكِ بالكلمات المشجعة المحفزة كلما وجدتِ منه تحسنًا، كأن تدعي له أو تقولي له: أسعدتني بهذا التصرف، ونحو ذلك.

تاسعًا: اهتمي بنصح زوجكِ ما بين الحين والآخر، وخاصة في أداء الصلاة إن كان متهاونًا بها أو لا يصلي، فإن من ثمار أداء الصلاة أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾.

عاشرًا: في حال مرور أشهر ولم يتحسن، يمكنكِ الاستعانة بعد الله تعالى ببعض أقاربه الذين يجلهم ويحترمهم ويسمع لكلامهم، وذلك بأن تطلبي منهم أن يصلحوا فيما بينكما بعد سماع كل طرف، فإن تعسر ذلك واستمر الأذى الجسدي والنفسي، فاعملي بما أمر الله به بقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾.

الحادي عشر: إن تعسر ذلك، فيمكنكِ التواصل مع مركز إسلامي موثوق، أو مستشار أسري متخصص، أو جهة قانونية مختصة في البلد الذي تقيمين فيه؛ لمعرفة حقوقكِ وإجراءاتكِ النظامية، خاصة إذا وصلتِ إلى طريق مسدود، وصار العيش مستحيلًا.

وأخيرًا: اعلمي أن الحياة الزوجية التي أرادها الله تقوم على السكن والمودة والرحمة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، فإن غابت هذه المعاني، وحل محلها الخوف والإهانة والعنف المستمر، وتعذر الإصلاح بعد بذل أسبابه، فلا حرج عليكِ في السعي إلى إنهاء هذه العلاقة بالطرق الشرعية والنظامية التي تحفظ دينكِ وكرامتكِ وأمنكِ.

أسأل الله أن يقر عينيكِ بصلاح زوجكِ، وأن يرزقكِ الحياة السعيدة المستقرة، وإن حصل فراق، فأسأل الله أن يغنيكِ من فضله العظيم، ويبدلكِ خيرًا منه، إنه سميع مجيب، ونسعد بتواصلكِ معنا.

وبالله التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً