الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مترددة بين البقاء مع أخي أو الرجوع لبلدتي الأصلية، فما توجيهكم؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة أبلغ من العمر واحدًا وثلاثين عامًا، وأعيش مع أخي المتزوج، ولديه طفل، وذلك في بلدة أخرى غير بلدتنا الأصلية، ووالداي منفصلان، أي مطلقان، وأمي تعيش معنا في بيت أخي المتزوج، كما أن لدي أخًا آخر يدرس في الجامعة في البلدة التي نقيم فيها.

نحن نعيش مع أخينا المتزوج، أنا وأمي وأخي الذي يدرس في الجامعة، منذ خمس سنوات، وقد تزوج أخي منذ ثلاث سنوات، ونذهب إلى بلدتنا الأصلية في العطلات، أو عندما تكون هناك مناسبات اجتماعية، وعندما نذهب إليها نقيم عند جدي وجدتي من جهة الأم؛ لأنه ليس لدينا منزل خاص بنا هناك.

ومؤخرًا حدثت بعض المشكلات بين أمي وزوجة أخي، فأصبحت العلاقة بينهما باردةً، واقترح أخي المتزوج أن نرجع إلى بلدتنا الأصلية، بحجة أن ذلك قد يتيح فرصةً أكبر لتقدم الخطاب لي، وأن نستقر أنا وأمي وأخي الجامعي عند جدي وجدتي في منزلهما الكبير والواسع، وهما يعيشان فيه بمفردهما؛ إذ ليس لدينا منزل خاص بنا.

وخلال السنوات الخمس التي قضيتها في هذه البلدة لم يتقدم لخطبتي سوى شخص واحد، فنحن هنا لا نخالط الناس كثيرًا، وأنا ماكثة في البيت ولا أعمل، وقد بحثت كثيرًا عن عمل، لكنني لم أجد؛ لأنهم يهتمون بالمظهر، ويشترطون عليَّ -بحسب ما واجهته- أن أرتدي السروال، بينما أنا أرتدي الحجاب الشرعي، وتخصصي هو العمل المخبري في مجال تحاليل الدم، أمَّا في بلدتي الأصلية، فإذا عشت هناك، فأستطيع أن أعمل في مجالي مع الالتزام بالحجاب الشرعي.

لكنني لا أرغب في العودة للعيش في بلدتي الأصلية؛ لأنني تعرضت فيها لمشكلات كثيرة، من بينها ما حدث عندما كنت مخطوبةً، ثم فُسخت خطبتي، وشُوهت سمعتي كثيرًا بعد ذلك، بالإضافة إلى المشكلات التي ترتبت على انفصال والديَّ.

كما أنني تعرضت لما أعتقد أنها أسحار متعددة، وبعد الرقية شعرت بأنني تعرضت لذلك مرات عديدة، واعتقدت أن بعض الأقارب قد يكونون وراء ذلك؛ ولذلك كرهت العيش في بلدتي الأصلية، وبصراحة، عندما أذهب إليها تسوء حالتي النفسية، ولا أتقبل فكرة الاستقرار فيها.

علمًا بأن أبي يعيش في بلدتنا الأصلية، وقد تزوج وله ابنتان، وعلاقتي به باردة جدًّا وسطحية إلى أبعد الحدود؛ فهو يرسل لنا النفقة فقط، أمَّا أخي المتزوج الذي نعيش عنده حاليًا، فهو الذي يُنفق علينا، ولأمي أيضًا منحة خاصة بالمطلقات عبارة عن مبلغ رمزي.

وبالمقابل" تريد أمي الرجوع إلى بلدتنا الأصلية والعيش مع جدي وجدتي؛ لأنهما كبرا في السن، وهي تريد برهما ورعايتهما، بينما أنا أرفض العودة بسبب المشكلات التي ذكرتها، وهي أيضًا لا تريد أن تتركني وحدي عند أخي المتزوج وأخي الجامعي.

فما الحل في هذه الحالة؟

أفيدونا، جزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ أنفال حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلاً بكِ -أختنا الكريمة- في موقعكِ إسلام ويب، ونسأل الله أن ييسر لكِ أمركِ، وأن يختار لكِ الخير حيث كان، وأن يؤلف بين قلوبكم، ويرزقكم السكينة والاستقرار، ويصرف عنكم كل سوء.

فإننا نفهم من رسالتكِ أنكِ لا ترفضين العودة إلى بلدكما لمجرد عدم الرغبة، وإنما لأن هذا البلد ارتبط في نفسكِ بذكريات مؤلمة، ومشكلات أسرية، وتجربة خطبة فاشلة، وكلام الناس، وما تعتقدين أنه من أذى الأقارب، حتى أصبحت مجرد فكرة العودة إليه تثير في نفسكِ الضيق والقلق.

وفي المقابل، فإن والدتكِ تنظر إلى الأمر من زاوية أخرى؛ فهي تريد أن تكون بجوار والديها بعد أن كبرا في السن، وترى أن برهما أولى، كما أنها لا تريد أن تبقيكِ وحدكِ في بيت أخيكِ المتزوج، خاصة بعد ما حدث من فتور في العلاقة بينها وبين زوجته.

وهذا يعني أن الطرفين لا يريدان شرًّا، وإنما ينظر كل واحد من زاوية مختلفة، ولذلك ينبغي أن يكون القرار مبنيًّا على المصلحة الراجحة، لا على مجرد المشاعر.

وأول ما ننصحكِ به أن تحاولي الفصل بين الماضي والمستقبل، فليس كل مكان وقع فيه للإنسان أذى يصبح غير صالح للحياة إلى الأبد، وإلا لما استطاع كثير من الناس أن يبدأوا حياة جديدة بعد التجارب المؤلمة.

ثم إن كثيرًا ممّا ذكرتِ قد انتهى، كقصة الخطبة، أو كلام الناس، أو الخلافات القديمة، فلا تجعليها وحدها هي التي ترسم قرار سنوات قادمة.

وأما ما ذكرتِ من السحر، فننصحكِ ألا تبني قراركِ كله على هذا السبب؛ لأن المسلم مأمور بأن يحصن نفسه بالأذكار والرقية الشرعية، وأن يأخذ بالأسباب المشروعة، ولا يجعل حياته كلها أسيرة لهذا التصور، فقد يكون ما مر بكِ له أسباب متعددة، ولا ينبغي أن يظل الخوف منه هو الذي يقود قراراتكِ.

ثم انظري إلى المصالح الموجودة في بلدكما الأم، فقد ذكرتِ بنفسكِ أنكِ تستطيعين العمل في تخصصكِ هناك مع المحافظة على حجابكِ الشرعي، بخلاف البلد الذي أنتم فيه الآن، وأن فرص الزواج فيه قد تكون أوسع بسبب وجود الأهل والمعارف، وأن والدتكِ تستطيع أن تبر والديها، وأن أخاكِ الجامعي سيكون معكما، وهذه مصالح معتبرة لا ينبغي إغفالها.

وفي المقابل، انظري إلى بقائكِ في البلد الحالي، فأنتِ لا تعملين منذ سنوات، وفرص العمل قليلة، وفرص التعارف مع الأسر الصالحة محدودة، كما أن استمرار السكن في بيت أخيكِ المتزوج قد يزيد التوتر داخل الأسرة إذا بقيت أسباب الخلاف قائمة.

ولهذا؛ فإننا نرى أن الموازنة بين المصالح والمفاسد تميل -في ظاهر ما ذكرتِ- إلى أن تجربة العودة تستحق التفكير الجاد، لا لأن البلد خالية من المشكلات، ولكن لأن مصالحها الحالية تبدو أكثر من مفاسدها.

ومع ذلك، لا ينبغي أن يكون القرار نهائيًّا لا رجعة فيه، بل يمكن أن يكون على سبيل التجربة، فإن وجدتم أن الإقامة هناك أصلحت كثيرًا من أوضاعكم، فالحمد لله، وإن تبين بعد مدة أن المفاسد غلبت المصالح، أمكن إعادة النظر في الأمر.

وننصحكِ بالخطوات العملية الآتية:

• لا تجعلي التجارب الماضية وحدها تحكم مستقبلكِ، بل انظري إلى واقعكِ الحالي وما هو أصلح لكِ الآن.
• اجلسي مع والدتكِ وأخيكِ جلسة هادئة، واكتبي معهم إيجابيات كل خيار وسلبياته، ثم قارني بينها بعيدًا عن الانفعال.
• إذا عدتِ إلى بلدكما، فابدئي مباشرة في البحث عن عمل في تخصصكِ، ولا تجعلي الخوف من الماضي يمنعكِ من بناء مستقبل جديد.
• لا تنشغلي بكلام الناس؛ فإن الناس لا ينتهون من الكلام، ولو بقي الإنسان ينتظر رضاهم ما استقرت له حياة.
• احرصي على أذكار الصباح والمساء، والرقية الشرعية، وحسن التوكل على الله، لكن لا تجعلي الخوف من السحر هو العامل الرئيس في اتخاذ قراراتكِ.
• أكثري من الاستخارة، واسألي الله أن يختار لكِ الخير، فإن من استخار الله بصدق، ثم أخذ بالأسباب، فلن يضيعه الله.

ختاماً: نحب أن نذكركِ بأن السعادة لا يصنعها بلد معين، وإنما يصنعها قرب العبد من ربه، وحسن اختياره للأسباب، ورضاه بما يُقدِّره الله له، فقد يعيش الإنسان في المكان الذي كان يكرهه، ثم يجعل الله فيه خير عمره، وقد يتعلق بمكان آخر، ثم لا يجد فيه ما كان يتمنى.

فاجعلي قلبكِ معلقًا بالله، لا بالأماكن، واسأليه دائمًا أن يختار لكِ الخير حيث كان، وأن يرضيكِ به إذا وقع.

نسأل الله أن ييسر أمركِ، ويكتب لكِ الخير حيث كان، وأن يرزقكِ عملًا صالحًا، وزوجًا صالحًا، وحياة مطمئنة، والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً