الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

زوجي يفرض علي دفع حق الحضانة من راتبي ..ما رأيكم؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا أم لأربعة أولاد، ومتزوجة منذ 15 سنة، وهذه الأيام بدأتُ أعمل معلمة لمدة ثلاثة أيام في الأسبوع في مدرسة ثانوية للبنات في نفس القرية التي نسكن فيها.

زوجي يعمل دكتورًا للهندسة في الجامعة، وراتبه -ولله الحمد- ممتاز جدًّا، ويعتبر من أفضل الرواتب في بلدي، ولكن هناك عدم وضوح بالنسبة لي فيما يتعلق بحقوقي وحقوقه في راتبي، فهو يقول لي: يجب أن تدفعي حق الحضانة، وملابسكِ التي تلبسينها في المدرسة، ومواصلاتكِ إلى المدرسة، ومصروفكِ فيها، وكذلك حق الدروس الخصوصية.

اثنان من أولادي في المرحلة الابتدائية سجلتُهما في دروس خصوصية، أما الولد الثالث فندرسه أنا ووالده في البيت، وهو أكبر أولادنا، والله إن تدريسه هو الأصعب، لأنه مراهق، ومواده صعبة، ويأخذ الكثير من وقتي.

صدقًا، أشعر بعدم وضوح في هذه الأمور، وأخاف الله أن أظلمه أو أظلم نفسي، وللتوضيح: راتبه 8600، وراتبي 2000.

هو يقول إنه لا يحب أن أعمل، ولكن في الواقع عندما جاءتني فرصة العمل وافق على أن أعمل، ويقول لي: ما دمتِ تحبين ذلك فلن أمنعكِ، والله إنه يحب أن يفرحني، ولكنه أحيانًا يقول لي: أنتِ تعلمين أنني لا أحب أن تعملي، وأشعر أنه يستخدم هذه العبارة عندما يحتاج إلى الضغط عليّ.

كما يقول إنني أقصر في بيتي، ويرى أن هذا بسبب العمل، ولهذا يجب أن أدفع من راتبي الأمور التي وضحتها قبل قليل، وأنا -والله- أسعى بأقصى طاقتي للعمل في بيتي وعدم التقصير، ولكن من الطبيعي أن تأتي أيام يكون فيها البيت غير منظم، وأيام تكون فيها كل أمور البيت على ما يرام.

وهذا كان حالي حتى عندما كنتُ لا أعمل خارج المنزل، والأسباب كثيرة، فلدي طفل صغير، وفي بعض الأيام يكون لدي ألم شديد بسبب الديسك الموجود أسفل ظهري، أو بسبب أمور نسائية طبيعية، أو انشغالي بتدريس أولادي في فترة الامتحانات، لذلك أرى أن هذا حال كثير من البيوت.

أمَّا في الأوقات العادية فهو موافق، وكأن كل شيء على ما يرام، بل إنه -والله- يساعدني في أمور البيت، وأحيانًا في بعض الأنشطة التي أحضرها للمدرسة، ويوصلني إلى المدرسة إذا كان موجودًا، والله أشعر أنه يحب أن يفرحني.

وللتوضيح أيضًا: بسبب ظروفنا في فلسطين تمر علينا شهور لا نتقاضى فيها رواتبنا نحن العاملين في المجال الحكومي، لأنني موظفة حكومية، أما هو فموظف في جامعة خاصة.

أتمنى توضيح حقوقي التي حددها الشرع حتى لا أظلمه ولا يظلمني، وحتى أتفاهم أنا وهو على أمورنا المالية للحد من الخلافات.

وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سائلة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يبارك لكما في رزقكما وأولادكما، ويعينكما على العدل وحسن العشرة، ويجعل عملك عونًا على الخير لا سببًا للخلاف.

أختنا الكريمة، من الجميل في رسالتك أنك لا تصفين زوجك بأنه يريد التضييق عليك، بل زوجًا يحبك، ويساعدك، ويوصلك إلى المدرسة أحيانًا، ووافق على عملك رغبةً في إسعادك، كما أنك حريصة على بيتك وأولادك، ولا تريدين ظلم زوجك؛ ولذلك فالمشكلة أقرب إلى غياب اتفاق مالي واضح بينكما، ويمكن حلها بهدوء إذا عرف كل منكما ما له وما عليه، ونبين لك الأصل الشرعي في المسألة:

أولًا: أختنا الكريمة، يُلاحظ في رسالتك كثرة الحلف بالله تعالى، ونقدِّر حرصك على تأكيد صدق كلامك، لكن الأفضل عدم الإكثار من الحلف، وأن يكون القسم عند الحاجة فقط، تعظيمًا لاسم الله تعالى، وحتى لا يصبح الحلف عادة تجري على اللسان من غير حاجة، فصدق الإنسان يظهر من كلامه وسلوكه، ولا يحتاج إلى كثرة الأيمان، قال تعالى: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ}.

• ثانيًا: راتبك الذي تحصلين عليه من عملك مال خاص بك، ولا يصبح مشتركًا بينكما بمجرد الزواج، ولا يملك الزوج إلزامك بأن تدفعي منه نفقات الأسرة، إلا إذا كان بينكما اتفاق سابق معتبر على أن سماحه بالعمل مقابل تحمّلك نفقات محددة، أما تبرعك بشيء من راتبك لبيتك وأولادك فهو إحسان منك تؤجرين عليه.

• ثالثًا: النفقة الأصلية على الزوج بحسب قدرته، وتشمل نفقة الزوجة والأولاد بالمعروف، من مسكن وطعام وكسوة، وما يحتاجونه من الحاجات المعتادة، وبحسب ما ذكرتِ فإن زوجك قادر -ولله الحمد-، فلا تنتقل هذه النفقة إليك لمجرد أنك أصبحت موظفة.

• رابعًا: ملابسك المعتادة داخلة في نفقة الزوجة بالمعروف، لكن ما يختص بالوظيفة من ملابس إضافية، أو نفقات تنشأ بسبب اختيارك العمل، فالأمر فيها أوسع للتفاهم بينكما، وكذلك مواصلاتك إلى العمل ومصروفك أثناءه، فهذه نفقات نشأت بسبب الوظيفة نفسها، ومن المعقول أن تتحمليها من راتبك إذا لم يكن بينكما اتفاق آخر، خاصة أن العمل ليس لحاجة الأسرة إلى دخلك.

• خامسًا: الحضانة تحتاج إلى تفصيل مهم، فإن كان المقصود حضانة الطفل التي احتجتم إليها فقط بسبب خروجك للعمل، فمن العدل أن تتفاهما على تكلفتها، ولا نرى أن تحولي المسألة إلى خصومة حول من يدفعها، خاصة أنك أنت المستفيدة ماليًّا ومهنيًّا من العمل، وهو قد وافق عليه مراعاةً لرغبتك، أما نفقات الأولاد الأصلية فتبقى على أبيهم.

• سادسًا: الدروس الخصوصية للأولاد ليست نفقة خاصة بعملك لمجرد أنك أصبحت موظفة، فإذا كان الأولاد محتاجين إليها فعلًا فهي من شؤون تعليمهم التي يتفق عليها الأبوان، والأصل في نفقتهم أنها على أبيهم بحسب المعروف والاستطاعة، أما إذا اخترتِ دروسًا إضافية غير لازمة رغبةً منك في تخفيف عبء تدريسهم عنك بسبب العمل، فهنا من الإنصاف أن تتحملي جزءًا منها أو تتفقا عليها.

• سابعًا: في المقابل، موافقة زوجك على عملك لا تعني أن حقوق البيت والأولاد تسقط، فإذا ظهر تقصير حقيقي سببه العمل؛ فمن حقه أن يناقشك فيه، لكن ينبغي التفريق بين التقصير الحقيقي وبين أن يكون البيت غير مرتب في بعض الأيام، فهذا يقع في كثير من البيوت حتى مع المرأة غير العاملة، وخاصة مع أربعة أولاد وطفل صغير، وما ذكرتِ من ظروفك.

• ثامنًا: لا تجعلا راتبيكما في مواجهة بعضهما بعضًا: «أنت تأخذ 8600 وأنا 2000»، فارتفاع راتبه لا يسلبك ملكية راتبك، وانخفاض راتبك لا يعني ألا تشاركي في شيء باختيارك، والأجمل بعد خمسة عشر عامًا من الزواج أن تعرفا الحكم الشرعي، ثم تتجاوزا الحد الأدنى للحقوق إلى الفضل والتعاون، قال تعالى: {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}.

لذا: أقترح أن تتفقا على قاعدة بسيطة: راتبك لك من حيث الأصل، وتتحملين منه نفقاتك المرتبطة مباشرةً بالعمل، كالمواصلات، والمصروف الخاص بالدوام، وما تختارينه من احتياجات وظيفية إضافية، ثم تتفقان بالتراضي على الحضانة والدروس بحسب سبب الحاجة إليهما، وما تعطينه بعد ذلك للبيت والأولاد فهو مشاركة وإحسان منك، لا حق مفتوح في راتبك كله، ولا تدخلا في حساب كل ريال بينكما، فمن وصفك يبدو أن بينكما مودة وتعاونًا حقيقيًّا، فلا تسمحا لمسألة قابلة للاتفاق أن تفسد هذا الخير.

وقد يكون من أجمل الحلول أن تجعلي جزءًا معلومًا من راتبك -حين تستلمينه- لمساهمة تختارينها في الأسرة، ويبقى الباقي لك، وبذلك يشعر زوجك بالشراكة، وتحفظين أنت استقلال مالك، وكل ذلك بالتراضي لا بالإلزام.

نسأل الله أن يبارك لكما في رزقكما، ويجزي زوجك خيرًا على قيامه بأسرته، ويجزيك خيرًا على عملك ورعاية بيتك وأولادك، ويعينكما على الاتفاق بالعدل والفضل، ويحفظ المال من أن يكون سببًا للخلاف بين قلبين جمع بينهما خمسة عشر عامًا من العشرة، والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً