الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أعجز عن النطق بالقرآن أثناء الصلاة، وأشعر أن لساني خارج إرادتي

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أثناء الصلاة، وعند محاولة قراءة القرآن أو الآيات، أشعر وكأن لساني وجميع الأعضاء المسؤولة عن الكلام أصبحت خارج إرادتي، فلا أستطيع تحريك اللسان أو النطق إطلاقًا، وكأن القدرة على الكلام تختفي تمامًا في تلك اللحظة، وهذا الأمر يحدث داخل الصلاة، مما يجعلني غير قادر على إكمالها.

وأثناء الوضوء أشعر بصعوبة في نطق البسملة، لكنها أخف من الصعوبة التي تحدث أثناء الصلاة، وأحيانًا ينتابني شعور بأن الماء لم يصل إلى بعض أجزاء جسدي رغم غسله، ويكون الإحساس ببلل الماء أو حرارته أو برودته ضعيفًا في بعض المواضع، وإن كان ذلك أخف مما يحدث أثناء الغسل.

أمَّا أثناء الغسل، فأحيانًا أشعر بأن بعض مناطق الجلد ما زالت جافة، رغم سكب الماء عليها، ولا يصلني الإحساس المعتاد بملامسة الماء أو برودته أو سخونته في بعض الأماكن، ويسبب ذلك شكًّا كبيرًا في صحة الغسل.

حتى مع محاولاتي أن أبني على غلبة الظن في الصلاة والوضوء والغسل، فإن الأمر يمكن القول إنه مستحيل، بمعنى آخر، لا أجد في نفسي يقينًا أو غلبة ظن أبني عليها لأكمل العبادة، وهذا لا يحدث معي إلَّا في العبادة.

أتعالج عند طبيبة نفسية منذ ثلاث سنوات تقريبًا، وقد أخبرتني بأنه لا يوجد لدي وسواس قهري، وإنما هي فقط أفكار مرضية مزعجة.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الابن الفاضل/ مهند حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع، ونسأل الله تعالى أن يُعجِّل لك بالعافية من كل مكروه.

قد أحسنت -أيها الحبيب- حين توجهت إلى الطبيب النفسي؛ فإن أقدار الله -سبحانه وتعالى- يدفع بعضها بعضًا، والله حين قدَّر المرض قدَّر الدواء، فقال الرسول ﷺ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً»، وقال: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ»، فاستمر في متابعة الطبيب النفسي، واستمع إلى توجيهاته.

وأمَّا من الناحية الشرعية، فهناك أمور لا بد أن تنتبه لها، حتى تتخلص -بإذن الله تعالى- من هذه الحالة التي أنت عليها، أهم هذه التوجيهات -أيها الحبيب- أنه لا ينبغي أبدًا أن تبحث عن اليقين النفسي أو غلبة الظن، كما وصفت في سؤالك؛ فالإنسان حينما يصاب بشيء من الوساوس، يصبح من المتعذر عليه أن يصل إلى مرحلة الاطمئنان أو اليقين، وهذه الوساوس علاجها هو الإعراض عنها، ومن ثم أنت مأمور بأداء العبادة كما يؤديها غيرك من الناس، ثم إذا فعلتها لا تلتفت إلى ما تُمليه عليك هذه الأفكار الوسواسية.

وبغض النظر عن تسمية هذه الوسوسة، هل هي وسواس قهري أو غير ذلك، لا تشتغل بهذا الجانب؛ فهذا عمل الطبيب، إنما المطلوب منك في الجانب الشرعي هو التعامل معها على أنها شكوك، والشكوك لا ينبغي أن تلتفت إليها ما دامت متكررةً، وهذه هي القاعدة عند الفقهاء: أن الشك لا يؤثر إذا تكرر على الإنسان كل يوم، ولو مرةً واحدةً.

فالمطلوب منك في الوضوء -مثلًا- أن تصبَّ الماء على العضو، ثم لا تبحث عن وصولك إلى مرحلة اليقين، من حيث الشعور بالبرودة أو السخونة أو غير ذلك، فما دمت صببت الماء على العضو الذي توضئه، فاكتفِ بهذا، ومهما حاولت الأفكار الوسواسية أن تقول لك: إنك لم تكمل هذا الوضوء، لا تلتفت إليها، واتباعك لهذه الطريقة في عباداتك، هو طريق الخلاص من هذه الأفكار.

وعند القراءة، لا تحاسب نفسك عندما تقرأ الكلمة، هل قرأتها بشكل صحيح أو لم أقرأها بشكل صحيح؟ وحاول أن تقرأ بالطريقة المعتادة لدى الناس، ثم لا تلتفت إلى كون الكلمة خرجت منك بشكل صحيح أو لا؛ فالله تعالى يقبل منك العبادة بهذه الطريقة؛ لأنك تفعل ما تقدر عليه، وقد قال الرسول ﷺ: «وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ».

واعلم -أيها الحبيب- أن الوساوس قد تتطور، فتُوصِل الإنسان إلى مرحلة يتشكك فيها في الشيء اليقيني الموجود، وقد وردت أخبار كثيرة عمن أصيبوا بالوساوس، حتى تمكّنت منهم؛ فالواحد منهم ينغمس في الماء، ثم يخرج من النهر ويشك، هل أصابه البلل أم لم يصبه؟ وهذا موجود مُسطَّر ومدوّن في كتب الفقهاء التي يتكلمون فيها عن الوساوس، فطريقة الخلاص من هذه الوساوس هي: ألّا تلتفت إليها، وأن تؤدي عبادتك بالشكل المعتاد الذي يُؤدِّي به الناس عباداتهم، ولا تلتفت بعد ذلك إلى أي تشكيك تُمليه عليك هذه الوساوس.

واعلم أن نطقك للكلمات سيكون سليمًا صحيحًا بلا شك، والدليل على ذلك أنك الآن لو نطقت هذه الكلمات خارج الصلاة، فإنك ستنطقها بسهولة ويُسر، ولكن في الصلاة أنت بنفسك تُحدث أحوالًا جديدة من حيث محاسبة النفس: هل نطقتُ الكلمة أو لم أنطقها؟ وهذا هو الذي يُؤدِّي بك إلى الحال الذي وصفتَ، ويجعلك تظن أن لسانك لا يتحرك، وأنك لن تنطق الآية.

فالقاعدة إذن التي ينبغي أن تتبعها -أيها الحبيب- هي أن تفعل العبادة مرةً واحدةً على المعتاد، ولا تُعدها بسبب الشكوك والأحاسيس المتكررة، ولو بقي في نفسك عدم اطمئنان.

اصبر على سلوك هذا الطريق، وسيمُنُّ الله تعالى عليك بالخلاص من هذه الأفكار، ونسأل الله تعالى أن يصرف عنا وعنك كل سوء ومكروه.

------------------------------------------------------------
انتهت إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي، مستشار الشؤون الأسرية والتربوية.
وتليها إجابة الدكتور/ مأمون مبيض، استشاري الطب النفسي.
------------------------------------------------------------

نرحب بك (بُنيَّ) عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر لك تواصلك معنا بهذا السؤال.

ابني الفاضل، لا أدري ماذا قالت لك الطبيبة النفسية منذ ثلاث سنوات، إلَّا أن ما ورد في سؤالك حالة نموذجية من بداية الوسواس القهري، حيث بدأت تتردد أو لا تستطيع أن تكمل الوضوء أو الصلاة أو الفاتحة أو غيرها، وهكذا يبدأ الإنسان يُفكِّر ويعيد التفكير: هل بلل الماء كل منطقة من الجلد عند الوضوء أو حتى عند الغسل؟

بُنيَّ، هذه بداية الوسواس القهري، لا شك في هذا، وهنا أمامك طريقان:

الأول: طالما أنك في السادسة عشرة من العمر، فيمكنك أن تحاول -على الأقل أن تحاول- أن تدفع مثل هذه الأفكار، وتتابع وضوءك وصلاتك، دون أن تعير اهتمامًا كبيرًا لهذه الأفكار القهرية، مهما كانت مزعجة.

الثاني: إن صعب عليك العلاج، وخاصة أنك منذ ثلاث سنوات ذهبت إلى الطبيبة النفسية، أي أنه يمكنك أن تذهب مجددًا إلى العيادة النفسية، فربما ما ظهر عندك منذ ثلاث سنوات -عندما كنت في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة- ربما هو غير ما ورد في سؤالك، والذي يشير إشارة واضحة إلى أنه وسواس قهري، فأرجو ألَّا تردد أو تتأخر في زيارة العيادة النفسية، لتأكيد التشخيص، ومن ثم بداية رحلة العلاج.

أدعو الله تعالى لك بتمام الصحة والعافية، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً