الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ابتلاءاتي زادت وأصابتني باليأس المستمر.. فهل من نصيحة؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أحسن الله إليكم، وأرجو أن تعلموني ماذا أفعل.

منذ الصغر وأنا أعاني من مشكلات بسبب الخلافات بين والديَّ، ومن تنمر شديد، وإيذاء من المجتمع، وعزلة، حتى كبر الأمر معي في المرحلة المتوسطة، وأصبحتُ أعاني من مشكلات نفسية واكتئاب، وألجأ إلى أحلام اليقظة وعدة إدمانات، وأظن أن سبب ذلك كله هو قسوة الواقع.

وقبل المرحلة الثانوية رسمتُ خطةً لما سأفعله في الثانوية، وأي جامعة أريد أن ألتحق بها، ثم إلى أي بلد أسعى للذهاب إليه، على أمل أن أحقق أحلامي، وأُرزق، وأساعد من أحب، خاصةً من أهلي وأقاربي.

وفي المرحلة الثانوية عانيتُ كثيرًا من عدة أمور، لكنني حاولتُ ألَّا أهتم بها، وأن أجتهد حتى أحصل على معدل جيد يؤهلني لدخول جامعة أحلامي، وأكمل مسار حلمي، لكن بعد ظهور النتائج تلقيتُ صدمةً، إذ حصلتُ على معدل مختلف تمامًا عما قدمتُه، بسبب خلل في نظام التصحيح، فأصابني اليأس المستمر، وبدأت تراودني أفكار بأن الله غير عادل، وأنه يستمتع بتعذيبي، ولا يريد أن يرحمني!

ودخلتُ جامعةً لا أطيقها، ثم بدأت تظهر لي مقاطع كثيرة تتحدث عن لزوم الدعاء، فلزمتُ الدعاء لأشهر طويلة، خاصةً في السجود، ولم يتغير من حالي شيء، بل أصبحتُ أعاني من مشكلات داخل الجامعة نفسها، ولا أستطيع حتى تكوين علاقات أو صداقات، وأشعر أن الجميع ينظر إليَّ نظرةً قبيحةً، وكأنني وحش أو قاتل.

ثم بدأت تظهر لي مقاطع عن لزوم الاستغفار، والصلاة على النبي ﷺ، وشعرتُ بأنها رسالة ربانية، وأن ذنوبي ربما تكون سبب مشكلاتي، فلزمتُهما أيضًا، وخاصةً الاستغفار لفترة طويلة، على أمل أن تُغفر ذنوبي، ثم تنحل مشكلاتي - مثل المشكلات النفسية والجسدية -، وأن يعوضني الله عن جامعة أحلامي بإنجازات لم أكن لأحققها فيها، وأن أبني علاقات مفيدة، وغير ذلك.

ومع ذلك، لم يتغير شيء، بل زادت مشكلاتي حتى العائلية منها، فسألتُ الله مرات عديدة أن يرشدني إلى ما ينبغي أن أفعله، ولو برؤيا أو بأمر ما، لكنني لم أجد إجابة.

ومع استمرار هذا الحال بدأتُ أقتنع أكثر بفكرة أن الله خلقني فقط ليعذبني، ولم أعد أجد سببًا للعيش، وفكرتُ عدة مرات في الانتحار، ولا أدري ماذا أفعل!

وأنا أشتهي تحقيق أحلامي، وبناء حياة مثل الآخرين، وأن آخذ نصيبي من الدنيا، كما قال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}.

• إن كان ما أمر به كله مجرد ابتلاء، فهل يوجد ابتلاء يستمر حتى الموت؟

• ولماذا أشعر منذ صغري بأنني ضحية لمعاناة متواصلة بسبب أمور لا أستطيع ذكر جميع تفاصيلها؟

• وماذا أفعل وأنا أشعر أنني لم أعد قادرًا على تحمل المزيد؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ خالد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكرك على تواصلك معنا وثقتك بموقعنا.

قبل كل شيء -أخي الكريم- لا بد أن نتوقف عند ما ذكرته من تفكيرك المتكرر في الانتحار، فهذا أمر خطير، ولا يجوز التهاون فيه أو تأجيل التعامل معه، ونرجو منك بشدة أن تتواصل الآن مع خط الطوارئ في بلدك، أو تتوجه إلى أقرب قسم طوارئ، أو تتصل بأي جهة نفسية متخصصة يمكنها الوصول إليك فورًا.

كما نرجو أن تخبر شخصًا تثق به، ويكون قريبًا منك، بما تشعر به؛ حتى لا تبقى وحدك مع هذه الأفكار، فطلب هذه المساعدة العاجلة ليس تخليًا عن التوكل على الله، بل هو من الأخذ بالأسباب التي أمرنا الله بها، وقد قال النبي ﷺ: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً»، فاجعل هذه الخطوة أولى أولوياتك قبل أي شيء آخر تقرؤه في هذه الرسالة.

أما ما تحمله من ألم منذ الصغر، من خلافات الوالدين، والتنمر، والعزلة، ثم الصدمة الكبرى التي تعرضت لها بسبب خلل خارج عن إرادتك بعد كل ذلك الجهد والتخطيط؛ فهذا حمل ثقيل جدًّا على قلب واحد، ونحن نتفهم عمق الجرح الذي تركته هذه التجارب المتراكمة فيك.

ونريد أن نقف عند فكرة أساسية عبرت عنها بوضوح، وهي ظنك أن الله يعذبك ولا يريد رحمتك؛ فهذا الظن ناتج عن اليأس الشديد الذي وصلت إليه، وليس حقيقةً عن الله سبحانه، فالله عز وجل يقول عن نفسه: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}، ويقول في الحديث القدسي: «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي».

فمن كانت رحمته قد وسعت كل شيء، لا يخلق عبدًا ليعذبه بلا سبب، وهذا الصوت الذي يهمس لك بأن الله يستمتع بتعذيبك أقرب ما يكون إلى وسوسة يأس تتغذى من ألمك، لا إلى صوت حق، قال تعالى: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}.

وما مررت به من دعاء واستغفار طويل، وشعرت بعده أن شيئًا لم يتغير، لا يعني أن الله لم يستجب لك، فالاستجابة لها صور متعددة لا يعلمها إلَّا الله، وقد تكون في صرف بلاء أكبر عنك لا تراه، أو في تأجيل عطاء إلى وقت أنسب، وليست الاستجابة دائمًا بتحقق الطلب بالصورة والزمن اللذين رسمناهما في أذهاننا.

كما أن تحميل ذنوبك مسؤولية كل ما أصابك -مع أنك أشرت إلى أن بعض ما جرى كان خارج إرادتك تمامًا، كخلل نظام التصحيح- فيه ظلم لنفسك، فالابتلاء لا يعني دائمًا العقوبة، بل قد يكون رفعةً أو تمحيصًا لمن يريد الله به خيرًا، كما قال النبي ﷺ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ».

أما سؤالك: هل يوجد بلاء لا ينتهي حتى الموت؟ فاعلم أن الدنيا كلها إلى زوال، وأن ما تعيشه الآن - مهما طال - ليس نهاية القصة، وأن رغبتك في تحقيق أحلامك، وأخذ نصيبك من الدنيا -كما ذكرت في الآية- رغبة مشروعة لا عيب فيها، والإيمان لا يتعارض مع السعي والطموح.

ومع كل ما سبق، فإن ما وصفته من اكتئاب طويل الأمد، وإدمانات، وأفكار انتحارية متكررة، يحتاج فعلًا إلى متابعة مختص نفسي أو طبيب نفسي وجهًا لوجه، وبشكل عاجل، وهذا ليس بديلًا عما نقدمه هنا، بل ضرورة لا غنى عنها في حالتك.

وطلب هذه المساعدة قوة لا ضعف، وهو من الأخذ بالأسباب، فلا تتردد في طلبها، ولا تواجه هذه الأفكار وحدك.

نسأل الله أن يفرج همك، وأن يشرح صدرك، وأن يرزقك رفقةً صالحةً، ومخرجًا قريبًا ممَّا أنت فيه، وأن يجعل ما مررت به سببًا في رفعتك، لا في كسرك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً