الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف أتعايش مع الوسواس المتزامن مع القولون؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أدامكم الله بخير وعلى الخير.

أنا من حلب، ولا يوجد عندنا أطباء نفسيون إلَّا القليل، وأكثرهم يكتفون بإعطاء الأدوية والمهدئات وما شابهها، دون علاج سلوكي.

أنا أعاني من الوسواس القهري منذ زمن بعيد، ومنذ 10 سنوات أتناول «كلونازيبام» (1 ملغ)، ومنذ شهرين وصف لي الطبيب «ليكساسير» (10 ملغ)، وأنا أخاف من الأدوية لأنني مريض بالتهاب الفقار اللاصق والقولون العصبي، وأتناول «سيمفيرين»، فهل يؤثر «ليكسا سير» في القولون؟

ومع أنني تناولتُ البارحة «كلونازيبام» (2 ملغ) فهدأتُ، ثم كتبتُ الوساوس التي استطعتُ أن أتذكرها لأعرضها عليكم، إلا أن المشكلة أن القولون مزعج، والوساوس لا تريد أن تظهر، فشعرتُ بأنها سخيفة، لكن قبل ذلك كانت الطقوس تذهب عني الأخطار التي يوهمني بها الوسواس، مثل انتقال الأفكار عند رمي القمامة، أو الوسواس المتعلق بالأعداد.

كنتُ أتعايش مع هذا الاضطراب بسلام، لكن عندما انتقلتُ إلى منطقة شعبية فقدتُ معظم أسلحتي -الطقوس- التي كنتُ أواجه بها الوسواس، ثم بدأ يكبر شيئًا فشيئًا، فاستعنتُ بالله، ثم بكتاب جيفري شوارتز.

وأكثر ما يوسوسني هو دخول فيسبوك، فعندما أشاهد مقطعًا فيه ما يغضب الله، أشعر بانتقال الأفكار، وأهم ما أخشاه أنها ستؤثر عليّ مستقبلًا، وحتى أي مقطع من مقاطع الريلز أريد أن أنظر إليه عددًا محددًا من المرات، وإذا لم أنظر إليه بهذا العدد أشعر بأن مصيبة ستحل بنا.

فما نصيحتكم؟ أكاد أفقد صوابي مع القولون والوسواس القهري، إنها عاصفة هوجاء، فهل ستزول هذه العاصفة، وأُشفى بإذن الله؟

أنا دائمًا أسترخي وأسبح الله، ولا أخرج من المنزل منذ سنوات، ولا أدري هل هذا بسبب الكسل أم الخوف أم شيء آخر، وعندما أستيقظ أخاف النهوض هروبًا من الواقع.

لا أريد الذهاب إلى طبيب نفسي نظرًا للظروف المادية والإنسانية، فلجأتُ إلى الله تعالى ثم إليكم.

جزاكم الله كل الخير.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ يحيى حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بك -أخي الكريم- في إسلام ويب، وأسأل الله تعالى لك العافية والشفاء والتوفيق والسداد.

أولًا: أخي الكريم، حالتك مفهومة جدًّا، وأنا أقول لك: ابدأ بداية جديدة، واستفد من قوة "الآن"، من قوة "الحاضر"، لا تعش في ضعف الماضي، إذا كان قد هيمن عليك الوسواس لسنوات طويلة، فيمكن أن تهزمه الآن، بشرط أن تكون لديك الدافعية والإرادة العلاجية الإيجابية، الوسواس مرض مكتسب وليس مرضًا وراثيًّا، والشيء المكتسب يمكن أن يُفقد من خلال التعليم المضاد، وهذا هو أساس العلاج السلوكي.

ثانيًا: من المهم جدًّا أن تحدد نوعية الوساوس التي تعاني منها، ثم تكتبها على ورقة، وتقسمها إلى مجموعات، ابدأ بالمجموعة البسيطة أو الضعيفة، ثم انتهِ بالمجموعة القوية، وأريدك أن تطبق ثلاثة تمارين على كل مجموعة، هذه التطبيقات يجب أن تكون في مكان هادئ، داخل الغرفة مثلًا، ويا حبذا لو استمرت الجلسة العلاجية نصف ساعة مثلًا، هناك ثلاثة تمارين:
• التمرين الأول: نسميه التحقير والتجنب.
• التمرين الثاني: نسميه صرف الانتباه.
• التمرين الثالث: نسميه التنفير.

• التمرين الأول: هو أن تحدد الوسواس، وكما قلنا لك: ابدأ بالفكرة أو الفعل الضعيف، ثم حقره قائلًا: "أنت فعل حقير"، "أنتِ فكرة حقيرة"، "لن أجعلك أبدًا جزءًا من حياتي"، وتكرر هذا: "أنتِ تحت قدمي"، "أنت سخيفة"، "أنا أفضل من ذلك"، وهكذا تكرر ذلك لمدة دقيقتين.

• ثم تنتقل إلى التمرين الثاني: وهو صرف الانتباه، وذلك بأن تستجلب فكرة الوسواس هذه أو فعل الوسواس، ولكن في الوقت نفسه تقوم فجأة باستجلاب فكرة أفضل، فكرة أجمل، شيء جميل في حياتك، أو شيء تتمناه، وفكِّر في هذا الفكر الجديد لتجعله يستبدل الفكرة الوسواسية، هذا تمرين ممتاز جدًّا نسميه صرف الانتباه.

• التمرين الثالث: هو التنفير، وذلك بأن تقوم باستجلاب الفكرة أو الفعل الوسواسي، ثم تقوم فجأة بالضرب على يدك بقوة وشدة على سطح الطاولة أمامك، الهدف هو أن تحس بألم عند الضرب، وتربط هذا الألم بالفكرة أو الفعل الوسواسي، وتكرر هذا التمرين 20 مرة متتالية.

ثم بعد أن تنتهي من هذه التطبيقات الثلاثة على الفكرة الأولى أو الفعل الأول، تنتقل إلى الفكرة الثانية، ثم الثالثة، وهكذا، وطبِّق هذا التمرين يوميًّا، وبعد 10 أيام إلى أسبوعين سوف ينخفض معدل الوساوس جدًّا، وسوف تجد أنها قد ضعفت.

• أيضًا -أخي الكريم- تدرب أيضًا على تمارين الاسترخاء، نعم، تمارين التنفس المتدرجة يجب أن تطبقها بعد الانتهاء من تطبيق التمارين، وعليك بالرياضة اليومية لمدة لا تقل عن 30 إلى 40 دقيقة، والمشي مثلًا ممتاز جدًّا.

• وعليك أيضًا بحسن إدارة الوقت، وتجنب السهر، فهذا مهم جدًّا، أن تواصل اجتماعيًّا، تبحث عن عمل، العمل مهم جدًّا، لأن القولون العصبي -أو العصابي- الناتج من القلق، وكذلك الوساوس القهرية، تأتي للناس من خلال الفراغ، فلا تترك فراغًا يا أخي- أبدًا.

• وعليك بالقراءة والاطلاع، والقيام بالواجبات الاجتماعية، وصلة الأرحام، والصلاة مع الجماعة، والدخول مثلًا في مشروع لحفظ شيء من القرآن الكريم، هناك أشياء عظيمة يمكن للإنسان أن يقوم بها لينتهي من الوسواس.

• أمَّا بالنسبة للعلاج الدوائي، فأنا أبشرك، عقار «ليكساسير Lexasyr» وهو «إسيتالوبرام Escitalopram» من أفضل الأدوية التي تعالج توترات القولون العصبي، وكذلك الاكتئاب، وكذلك الوساوس القهرية، ارفع الجرعة إلى (20 ملغ) يوميًّا، وهذه هي الجرعة العلاجية الصحيحة.

وأريدك أن تضيف عقارًا آخر يُعرف باسم «ريسبيريدون Risperidone»، تناوله بجرعة (1 ملغ) ليلًا لمدة شهر، ثم اجعله (2 ملغ) ليلًا لمدة شهرين، ثم اجعله 1 ملجم ليلًا لمدة ثلاثة أشهر، ثم توقف عن تناوله.

أمَّا بالنسبة لـ«ليكساسير» -وهو «إسيتالوبرام»، دواء معروف جدًّا وسليم جدًّا- فتستمر على جرعة (20 ملغ) لمدة 6 أشهر على الأقل، وبعد ذلك تخفضها إلى (10 ملغ) لمدة 6 أشهر أخرى مثلًا، أو حسب ما يرشدك طبيبك.

أخي الكريم، بالنسبة لـ«كلونازيبام Clonazepam»، فهذا دواء إدماني، لا شك في ذلك، نعم هو يعالج القلق والتوتر ويحسن النوم، لكن بعد فترة يفقد فعاليته، كما أنه يؤدي إلى نوع من التبلُّد الفكري، ويؤدي إلى اضمحلال في شخصية الإنسان، ويُفقد الإنسان الدافعية والطموح، فيا أخي الكريم، حاول أن تتخلص من هذا الدواء.

هذا هو الذي أريد أن أنصحك به، وأسأل الله لك العافية والتوفيق، وهذه العاصفة -إن شاء الله- سوف تتوقف من الآن إذا بدأت بالفعل في تطبيق ما ذكرته لك.

أخي الكريم، طبعًا لا بد أن تكون لديك الدافعية، ولا بد أن تخرج، والله تعالى وهبنا الإمكانيات والمقدرات الفكرية والعضوية، فيجب ألَّا نتكاسل، قُدْ نفسك -أخي الكريم- ولا تجعلها تقودك.

قولك: (ولا أخرج من المنزل منذ سنوات) بعض الوساوس تنشأ من الفراغ والجلوس في البيت، لذا لا بد لك من الخروج من البيت ومخالطة الناس، بالأخص الصالحين، في المساجد، في حلق القرآن، فالإنسان بطبعه اجتماعي، وبقاؤك في البيت سيكون له أثر سلبي عليك، قد تجد في الموضوع حرجاً في البداية، لكن بالاستمرار ستجد أنه فاعل وبقوة.

بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، وبالله التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً