الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة ميراث الجدة

جزء التالي صفحة
السابق

1730 - مسألة : والجدة ترث الثلث إذا لم يكن للميت أم حيث ترث الأم الثلث ، وترث السدس حيث ترث الأم السدس ، إذا لم يكن للميت أم .

وترث الجدة وابنها أبو الميت حي ، كما ترث لو لم يكن حيا .

وكل جدة ترث إذا لم يكن هنالك أم أو جدة أقرب منها فإن استوين في الدرجة اشتركن في الميراث المذكور .

وسواء فيما ذكرنا أم الأم ، وأم الأب ، وأم أم الأم ، وأم أم الأب ، وأم أبي الأب ، وأم أبي الأم ، وهكذا أبدا . وهذا مكان اختلف الناس فيه : فروي عن أبي بكر أنه لم يورث إلا جدة واحدة ، وهي أم الأم فقط - وروي عنه ، وعن غيره ، توريث جدتين فقط ، وهما : أم الأم وأمهاتها ، وأم الأب وأمهاتها .

وقالت طائفة : بتوريث ثلاث جدات ، وهما اللتان ذكرنا ، وأم أب الأب وأمهاتها - وروي عن طائفة : توريث كل جدة إلا جدة من قبل أبي أم ، أو من قبل أبي جدة .

وقال بعضهم : لا ترث الجدة والجدتان والأكثر إلا السدس فقط .

وقال بعضهم : إن كانت التي من قبل الأم أقرب انفردت بالسدس ولم ترث معها التي من قبل الأب ، فإن كانت التي من قبل الأب مساوية للتي من قبل الأم أو كانت التي من قبل الأم أبعد اشتركتا في السدس .

وقالت طائفة : لا ترث الجدة ما دام ابنها الذي صارت به جدة حيا .

برهان ذلك قول الله تعالى : ( { وورثه أبواه فلأمه الثلث } ) وقال تعالى : { كما أخرج أبويكم من الجنة } فجعل آدم وامرأته - عليهما السلام - أبوينا ، فهذا نص القرآن .

وقد جسر قوم على الكذب هاهنا فادعوا الإجماع على أن ليس للجدة إلا السدس - [ ص: 292 ] وهذا من تلك الجسرات - كتب إلي علي بن إبراهيم التبريزي الأزدي ، قال : نا أبو الحسين محمد بن عبد الله المعروف بابن اللبان نا دعلج بن أحمد نا الجارودي نا محمد بن إسماعيل الصائغ نا أبو نعيم الفضل بن دكين عن شريك عن ليث عن طاوس عن ابن عباس ، قال : الجدة بمنزلة الأم إذا لم تكن أم - وقال طاوس : الجدة بمنزلة الأم ترث ما ترث الأم - وما وجدنا إيجاب السدس للجدة إلا مرسلا عن أبي بكر ، وعمر ، وابن مسعود ، وعلي ، وزيد : خمسة فقط ، فأين الإجماع ؟ قال أبو محمد : لا سيما من ورث الجد ميراث الأب فإنه ناقض ، إذ لم يورث الجدة ميراث الأم .

فإن قيل : إن خبر منصور عن إبراهيم النخعي { أطعم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث جدات السدس } رويناه من طريق سفيان الثوري ، وحماد بن زيد ، وجرير بن عبد الحميد ، كلهم عن منصور عن إبراهيم كذلك .

وخبر مالك عن الزهري عن عثمان بن إسحاق بن خرشة عن قبيصة بن ذؤيب : أن المغيرة بن شعبة ، ومحمد بن سلمة شهدا عند أبي بكر الصديق { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى الجدة السدس } " .

وخبر ابن وهب عمن سمع عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر يحدث عن علي بن أبي طالب { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعم جدتين السدس ، إذا لم تكن أم ، أو شيء دونهما ، فإن لم توجد إلا واحدة : فلها السدس . }

وخبر أبي داود السجستاني نا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة أخبرني أبي نا عبيد الله العتكي عن ابن بريدة عن أبيه : { أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل للجدة السدس إذا لم يكن دونها أم } .

وروي نحو هذا عن ابن عباس . قالوا : ومن المحال أن يكون هذا عن ابن عباس ويخالفه .

قلنا : هذا كله لا يصح منه شيء . حديث قبيصة منقطع ، لأنه لم يدرك أبا بكر ، ولا سمعه من المغيرة ولا محمد ، وخبر إبراهيم مرسل . [ ص: 293 ] ثم لو صحا لما كان فيه خلاف لقولنا ; لأننا نقول بتوريثها السدس من حيث ترث الأم السدس مع الولد والإخوة .

وأما خبر بريدة فعبد الله العتكي مجهول .

وخبر علي أفسدها كلها ; لأن ابن وهب لم يسم من أخبره به عن عبد الوهاب ، وأيضا فعبد الوهاب هالك ساقط .

وأيضا فلا سماع يصح لمجاهد من علي والرواية عن ابن عباس لا يعرف مخرجها ، ولو صحت لكان كما ذكرنا من أن لها السدس حيث للأم السدس .

وهلا قالوا هاهنا بقولهم المعهود إذا وافق تقليدهم : إن ابن عباس لم يترك ما روي إلا لأمر هو أقوى في نفسه ، وأما نحن فلو صح هاهنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم بخلاف قولنا لقلنا به ، ولكنه لم يصح أصلا .

فإن قالوا : قد رويتم في حديث قبيصة المذكور : جاءت الجدة إلى أبي بكر قالت : إن ابن ابني ، أو ابن ابنتي مات ، وقد أخبرت أن لي في كتاب الله حقا ؟ فقال أبو بكر : ما أجد لك في الكتاب حقا ، وما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي لك بشيء وسأسأل الناس ؟ قلنا : إنما أخبر الصديق رضي الله عنه عن وجوده وسماعه وصدق ، وقد رويتم في هذا الخبر : أن المغيرة ومحمد بن سلمة سمعا في ذلك ما لم يسمع ، فرجع هو رضي الله عنه إلى ما سمعا مما لم يسمع هو ؟ فأي غريبة في أن لا يجد أيضا في الكتاب في ذكره حينئذ ما يجد غيره وقد منع عمر من التزيد على مقدار ما في الصداق ، فلما ذكر بالقرآن رجع ، ومثل هذا لهم كثير .

وقد وجدنا نصا : أن الجدة أحد الأبوين في القرآن ، وميراث الأبوين في القرآن ، فميراثها في القرآن ، وليس في كل وقت يذكر الإنسان ما في حفظه ، ونسي آدم ، فنسي بنوه ، فهذا ميراث الجدة بنص القرآن ؟ وليس لمخالفنا متعلق أصلا ، لا بقرآن ، ولا بسنة ، ولا إجماع متيقن ، ولا قياس ، ولا نظر ؟ وما كان هكذا فهو مقطوع بأنه باطل ، قال الله تعالى : { قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين }

ولا معنى لكثرة القائلين بالقول وقلتهم ، وقد أفردنا أجزاء ضخمة فيما خالف فيه [ ص: 294 ] أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي جمهور العلماء ، وفيما قاله كل واحد منهم مما لا يعرف أحد قال به قبله ، وقطعه فيما خالف فيه كل واحد منهم الإجماع المتيقن المقطوع به ، ولم يأت قط نص ولا إجماع ولا نظر صحيح بترجيح ما كثر القائلون به على ما قل القائلون به .

فهذا ميراث الجدة .

وأما : كم جدة ترث ؟ فإن طائفة قالت : لا ترث إلا جدة واحدة ، وهي أم الأم .

وروينا من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري نا القاسم بن محمد بن أبي بكر : أن رجلا مات وترك جدتيه : أم أمه ، وأم أبيه ، فأتوا أبا بكر الصديق ، فأعطى أم أمه السدس دون أم الأب ؟ فقال له عبد الرحمن بن سهل - وكان بدريا - لقد ورثت التي لو كانت هي الميتة ما ورث منها شيئا ، وتركت امرأة لو كانت هي الميتة ورث مالها كله ، فأشرك بينهما في السدس .

ورويناه من طريق هشيم ، وابن عيينة ، كلاهما عن يحيى بن سعيد ، ودخل حديث أحدهما في الآخر ، ومن طريق ابن وهب عن عبد الجبار بن عمر عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، وأبي الزناد : أن أبا بكر ورث الجدة أم الأم السدس ، فلما كان عمر بن الخطاب جاءته الجدة أم الأب ، فقال لها : ما لك في كتاب الله شيء ، وسوف أسأل لك الناس ؟ قال : فلم يجد أحدا يخبره شيئا ؟ فقال غلام من بني حارثة : لم لا تورثها يا أمير المؤمنين وهي لو تركت الدنيا وما فيها ورثها ، وهذه لو تركت الدنيا وما فيها لم يرثها ابن ابنتها ، فورثها عمر بن الخطاب وقال : إن الله ليجعل في الجدات خيرا كثيرا .

فهذا أبو بكر ، وعمر : جعلا الميراث للجدة التي للأم دون أم الأب .

فإن قيل : قد رجعا عن ذلك ؟ قلنا : قد قالا به ، ولا حجة إلا في إجماع متيقن ، فلا إجماع متيقن معكم أصلا - وقد قال بذلك عمر بعد أبي بكر كما ترون .

وهذا علي يخبر بأن عمر قضى مدة حياته بمنع بيع أم الولد ، وعلي معه يوافقه ، وعثمان أيضا مدة حياته ، فلما ولي علي خالف ذلك ، ولم ير ما سلف مما ذكرنا إجماعا - [ ص: 295 ] فهذا أبعد من أن يكون إجماعا ، والكذب على جميع الأمة أشد عارا وإثما من الكذب على واحد ، وكل ذلك لا خير فيه ، والقول بالظن كذب - نعوذ بالله منه .

وقالت طائفة : لا يرث إلا جدتان فقط : أم الأم وأمها ، وأم أمها ; وأم أم أمها ، وهكذا أبدا : أما فأما فقط . وأم الأب وأمها ، وأم أمها ، وأم أم أمها ، وهكذا : أما فأما فقط ، ولا يورثون أم جد أصلا .

وهو قول أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، والزهري ، وربيعة ، وابن أبي ذئب ، ومالك ، والشافعي ، وأبي ثور ، وأبي سليمان .

وقالت طائفة : يرث ثلاث جدات فقط . كما روينا من طريق عبد الرزاق حدثني يحيى عن سفيان الثوري عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي أن سعد بن أبي وقاص ، قال لابن مسعود : أتغضب علي أن أوتر بواحدة ، وأنت تورث ثلاث جدات ؟ أفلا تورث حواء امرأة آدم .

وروينا من طريق ابن وهب عن عبد الجبار بن عمر ، ومسلمة بن علي ، وابن أبي الزناد ، قال مسلمة : عن زيد بن واقد عن مكحول ، وقال عبد الجبار ، وابن أبي الزناد ، كلاهما : عن أبي الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت ، ثم اتفق خارجة ، ومكحول : أن زيد بن ثابت ورث ثلاث جدات : اثنتين من قبل الأم ، وواحدة من قبل الأب .

ومن طريق حماد بن سلمة عن داود بن أبي هند ، وحميد ، قالا جميعا : إن زيد بن ثابت قال : يرثن ثلاث جدات : جدتا الأب ، وجدة الأم لأمها - وقد روي أيضا عن علي بن أبي طالب .

ومن طريق سعيد بن منصور نا أبو معاوية نا الأعمش عن إبراهيم ، قال : كانوا يورثون من الجدات ثلاثا : جدتين من قبل الأب ، وواحدة من قبل الأم

ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أشعث هو ابن سوار عن الشعبي قال : جئن أربع جدات إلى مسروق ، فورث ثلاثا ، وألغى أم أبي الأم .

ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة : إذا كن الجدات أربعا : طرحت أم أبي الأم ، وورث الثلاث السدس أثلاثا بينهن - وبه يقول الأوزاعي ، وأحمد بن حنبل . [ ص: 296 ] وقالت طائفة : ترث أربع جدات ، كما روينا من طريق حماد بن سلمة عن ليث بن أبي سليم عن طاوس عن ابن عباس أنه كان يورث الجدات الأربع .

ومن طريق الحجاج بن المنهال نا حماد بن زيد عن أيوب السختياني عن الحسن البصري ، وابن سيرين : أنهما كانا يورثان أربع جدات .

وقالت طائفة : ترث كل جدة إلا جدة بينها وبين الميت أبو أم - وهو قول سفيان الثوري ، وأبي حنيفة ، وأصحابهما .

وروينا من طريق سعيد بن منصور نا خالد بن عبد الله عن داود بن أبي هند عن الشعبي قال : إنما طرحت أم أبي الأم ، لأن أبا الأم لا يرث .

وقالت طائفة : ترث كل جدة . كما روينا من طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أشعث ، وأبي سهل - هو محمد بن سالم - كلاهما عن الشعبي ، قال : كان عبد الله بن مسعود يورث ما قرب من الجدات وما بعد -

وقد روي هذا أيضا عن علي بن أبي طالب ، وابن عباس ، وزيد بن ثابت .

ومن طريق سعيد بن منصور نا أشعث بن سوار نا الشعبي قال : جئن إلى مسروق أربع جدات يتساءلن ؟ فألغى أم أبي الأم ، قال أشعث : فأخبرت بذلك ابن سيرين ، فقال : أوهم أبو عائشة ، يورثن جميعا .

قال أبو محمد : أبو عائشة : كنية مسروق ، وهو قول جابر بن زيد ، وعطاء بن أبي رباح ، والحسن ، كل هؤلاء روي عنهم توريث أم أبي الأم ، وغيرها .

قال علي : فنظرنا في هذه الأقوال فوجدنا حجة من لم يورث إلا جدة واحدة ، وهي أم الأم وأمها ثم أمها ، هكذا فقط أن يقول : هذه المجتمع على توريثها - ولا يصح أثر بخلاف ذلك .

فإن قيل : قد رجع أبو بكر عن ذلك ؟ قلنا : نعم ، وعمر قد قال به بعد أبي بكر .

فإن قيل : فقد رجع ؟ قلنا : فكان ماذا ؟ إذا وجد الخلاف ، ووسع الآخر ما وسع الأول من الاجتهاد والاستدلال ، وليست الحجة التي احتج بها عليهما رضي الله عنهما [ ص: 297 ] بموجبه رجوعا ; لأن أم الأم ترث ولا تورث بلا خلاف ، والعمة تورث ولا ترث بلا خلاف .

وهذا عمر قد رجع عن تحريم المنكوحة في العدة على ناكحها في الأبد ، وأباح له نكاحها ، فلم يرجع مالك عن قوله الأول لرجوع عمر عنه .

وهذا علي قد رجع عن منعه بيع أمهات الأولاد ، ولم يرجع : أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي لرجوعه ، وليس رجوع من رجع حجة ، كما أن قول من قال ليس حجة ، إلا أن يصحح القول أو الرجوع حجة .

وقالوا أيضا : قد صح الإجماع على أنه لا يرث من الأجداد إلا واحد ، وهو أب الأب ، وأبوه ، وأبو أبيه - هكذا فقط ، فالواجب أن لا يرث من الجدات إلا واحدة ، وهي أم الأم ، وأمها وأم أمها ، وهكذا فقط .

قال أبو محمد : هاتان حجتان لازمتان لأهل القياس ; لأن الأولى كثيرا ما يحتجون بها ، والثانية أصح ما يمكن أن يكون من القياس ، وقد يتعلق لهذا القول بحديث ابن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الجدة السدس إذا لم يكن دونها أم ، بدليل ذكر الأم التي دونها ، فلم يذكر هاهنا إلا جدة تكون دونها أم .

وقد ذكرنا هذا الخبر آنفا وعلته ولا يلزماننا ; لأننا لا نمنع من الأخذ بقول مختلف فيه إذا أوجبه برهان ، بل نوجب الأخذ به حينئذ ، ولولا البرهان الموجب لتوريث كل جدة لكان هذا القول هو الذي لا يجوز القول بسواه ، لأنه المجتمع عليه بيقين لا شك فيه وما عداه فمختلف فيه ، ونحن لا نقول بالقياس - وبالله تعالى التوفيق .

وأما من لم يورث إلا جدتين فما نعلم لهم حجة أصلا ، إلا أن بعضهم ادعى الإجماع على ذلك - وهذا باطل كما أوردنا .

فإن تعلقوا بخبر مجاهد : أن النبي صلى الله عليه وسلم أطعم جدتين السدس . قلنا : هذا خبر فاسد وليس فيه أنه عليه الصلاة والسلام منع من توريث أكثر - وقد جاء خبر أحسن منه : أنه عليه الصلاة والسلام ورث ثلاث جدات .

وليس قول سعد : ألا تورث حواء امرأة آدم حجة ; لأنه لا خلاف في وجوب [ ص: 298 ] توريث حواء امرأة آدم لو كانت حية ، ولم تكن دونها أم ولا جدة ; لأن كل ميت في العالم من بني آدم فله أم ، ولأمه أم ، ولأم أمه أم ، هكذا قطعا بيقين إلى بنت حواء ، فهي جدة من قبل أم الأم وأمهاتها بيقين ، فبطل هذا الاعتراض ، ولم يبق لهذا القول متعلق أصلا .

والعجب كل العجب : من أن مالكا ، والشافعي ، في أقوالهما في الفرائض مقلدين لزيد بن ثابت ، وزيد يورث ثلاث جدات فخالفوه بلا معنى ، وليس إنكار سعد على ابن مسعود توريث ثلاث جدات موجبا أن سعدا كان يورث جدتين ، بل قد يمكن أن يكون لا يورث إلا جدة واحدة ، فبطل هذا القول بيقين .

وأما من لم يورث إلا ثلاث جدات ، فما نعلم لهم متعلقا إلا خبر إبراهيم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعم ثلاث جدات السدس ، وهذا مرسل ، ليس فيه : أنه عليه الصلاة والسلام منع من توريث أكثر ، فبطل تعلقهم به ، وبطل أن يكون لهم حجة أصلا .

وأما من لم يورث إلا أربع جدات ، فما نعلم لهم متعلقا أصلا ، فبطل لتعريه من الحجة .

وأما من ورث كل جدة إلا جدة بينها وبين الميت أبو أم ، فلا حجة لهم أصلا ، إلا ما قال الشعبي : من أن الذي تدلي به لا يرث ؟ فيقال لهم : فكان ماذا ؟ هذا المسلم يموت له أب كافر ، وجد مسلم ، أو عم مسلم ، أو ابن عم مسلم ، فلا خلاف في أن كل من ذكرنا يرث ، وأن الذي يدلي به لا يرث . إنما المواريث بالنصوص لا بالقرب ، ولا بالإدلاء ، وهذه المرأة المعتقة لا تكون وليا في النكاح ، ولا المجنون ، فلا ينكحان ، وعاصبهما ينكح مولاتها ، وعاصب المجنون ينكح ابنته وأخته ، والذي يدليان به لا ينكح .

ولعلهم أن يدعوا إجماعا على ما يقولون من منع الجدة أم أبي الأم الميراث ، فما هذا ببدع من جسراتهم ، فقد رأينا كذبهم بقول ابن سيرين وغيره - فبطل هذا القول لتعريه من الحجة .

وأما من ورث كل جدة ، فإن حجته ما صدرنا قبل من أن الجدة أم ، وأحد الأبوين بنص القرآن ، وميراث الأبوين مبين بنص القرآن ، فلم يجز أن يحرم الأبوان الميراث إلا [ ص: 299 ] بنص صحيح ، أو إجماع متيقن ، فصح الإجماع المتيقن بنقل كواف الأعصار ، عصرا بعد عصر إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

على أنه عليه الصلاة والسلام لم يورث قط من ابن بنت بالبنوة ، ولا ابن بنت بالبنوة ، فسقط ميراث كل جد يكون الميت منه ابن بنت ، وبقي ميراث الجد الذي هو أب وأبو أب فقط ، ولم يأت نص ولا إجماع بمنع الجدة من الميراث بذلك ، فبقي ميراثها بنص القرآن واجبا . وبالله تعالى التوفيق .

ووجدنا خبر قبيصة بن ذؤيب { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى الجدة السدس } موافقا لهذا القول ; لأنه عم ، ولم يخص جدة من جدة ، فيلزم من قال بالمرسل أن يقول بهذا ; لأنه أعم من سائر الأخبار المذكورة .

وأما نحن فلا نعتمد إلا على نص القرآن الذي ذكرنا فقط ، وبطلت سائر الأقوال بيقين لا مرية فيه ، لتعريها من حجة نص أو إجماع . وبالله تعالى التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث