الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                                                                                          1715 - مسألة : وإن كان للميت أخ ، أو أخوان ، أو أختان أو أخت ، أو أخ ، وأخت - ولا ولد له ولا ولد ولد ذكر . فلأمه الثلث .

                                                                                                                                                                                          فإن كان له ثلاثة من الإخوة ذكور أو إناث ، أو بعضهم ذكر ، وبعضهم أنثى : فلأمه السدس ، لقول الله تعالى : { فإن كان له إخوة فلأمه السدس } وهو قول ابن عباس .

                                                                                                                                                                                          وقال غيره : باثنين من الإخوة ترد الأم إلى السدس ، ولا خلاف في أنها لا ترد عن الثلث إلى السدس بأخ واحد ، ولا بأخت واحدة ، ولا في أنها ترد إلى السدس بثلاثة من الإخوة - كما ذكرنا - إنما الخلاف في ردها إلى السدس باثنين من الإخوة .

                                                                                                                                                                                          حدثنا يوسف بن عبد الله النمري قال : نا يوسف بن محمد بن عمر بن عمروس الأستجي عن أبي الطاهر محمد بن جعفر بن إبراهيم السعيدي نا يحيى بن أيوب بن بادي العلاف نا أحمد بن صالح المصري نا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك نا الفقيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب - هو أبو الحارث - عن شعبة مولى ابن عباس عن عبد الله بن عباس : أنه دخل على عثمان بن عفان فقال له : إن الأخوين لا يردان الأم إلى السدس ، إنما قال الله تعالى : { فإن كان له إخوة } والأخوان في لسان قومك ليسوا بإخوة ؟ فقال عثمان : لا أستطيع أن أنقض أمرا كان قبلي ، توارثه الناس ومضى في الأمصار ؟ قال أبو محمد : أما ابن عباس فقد وقف عثمان على القرآن واللغة ، فلم ينكر عثمان ذلك أصلا ، ولا شك في أنه لو كان عند عثمان في ذلك سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أو حجة من اللغة لعارض ابن عباس بها ما فعل ، بل تعلق بأمر كان قبله ، توارثه الناس ومضى في [ ص: 272 ] الأمصار ، فعثمان رأى هذا حجة ، وابن عباس لم يره حجة ، والمرجوع إليه عند التنازع هو القرآن ، والسنة ، ونصهما يشهد بصحة قول ابن عباس .

                                                                                                                                                                                          وكم قضية خالفوا فيها عثمان ، وعمر : كتقويمهما الدية بالبقر والغنم ، والحلل ، وإضعافها في الحرم - والقضاء بولد الغارة رقيقا لسيد أمهم في كثير جدا .

                                                                                                                                                                                          ومن ادعى مثل هذا إجماعا - ومخالف الإجماع - عندهم كافر : فابن عباس على قولهم كافر ، إذ خالف الإجماع ومعاذ الله من هذا ، بل مكفره أحق بالكفر وأولى .

                                                                                                                                                                                          وأما الخطأ مع قصد الحق فلا يرفع عن أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                          وقال بعضهم : الأخوان يقع عليهما اسم إخوة ؟ قال علي : وهذا خطأ ; لأن عثمان ، وابن عباس : حجة في اللغة ، وقد اجتمعا على خلاف هذا ، وبنية اللغة مكذبة لهذا القول ; لأن بنية التثنية في اللغة العربية التي بها خاطبنا الله تعالى على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام غير بنية الجمع بالثلاثة فصاعدا ، فلا يجوز لأحد أن يقول : الرجلان قاموا ، ولا المرأتان قمن .

                                                                                                                                                                                          واحتجوا في هذا بقوله تعالى : { والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } وهذا لا حجة لهم فيه ; لأن لكل واحد منهما يدين ، والواجب قطعهما مرة بعد مرة .

                                                                                                                                                                                          وذكروا قول الله تعالى : { فقد صغت قلوبكما } وهذا لا حجة لهم فيه ; لأن في لغة العرب إن كل اثنين من اثنين فإنه يخبر عنهما بلفظ الجمع ، قال الراجز :

                                                                                                                                                                                          ومهمهين قذفين مرتين ظهراهما مثل ظهور الترسين     فهذا باب مضبوط لا يتعدى



                                                                                                                                                                                          واحتجوا بقول الله تعالى : { نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض } إلى قوله تعالى : { ( إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة ) } وهذا لا حجة لهم فيه ، لأنه لا نكرة في دخولهما ومعهما غيرهما .

                                                                                                                                                                                          وذكروا قول الله تعالى : { عسى الله أن يأتيني بهم جميعا } وهذا عليهم ، لا لهم ; لأنهم كانوا ثلاثة : يوسف ، وأخوه الأصغر المحتبس عن الصواع ، وكبيرهم الذي قال { فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي } . [ ص: 273 ] وقد اتفقوا على أن من أقر لآخر بدراهم أنه يقضى عليه بثلاثة ، لا بدرهمين - وبالله تعالى التوفيق .

                                                                                                                                                                                          وقال بعضهم : قال الله تعالى : { وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين } قال : والحكم في الأخت ، والأخ هكذا ، فصح أن الأخ والأخت في قول الله تعالى : { فإن كان له إخوة فلأمه السدس } كذلك أيضا .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : أما الآيتان فحق ، وأما هذا الاستدلال ففي غاية الفساد لأن الله تعالى قال : { فللذكر مثل حظ الأنثيين } وهذا جلي من النص في حكم الأخ ، والأخت فقط .

                                                                                                                                                                                          فإن أوجدنا مثل ذلك في حجب الأم فهو قوله ، وإلا فهو مبطل مدعى بلا برهان .

                                                                                                                                                                                          وقال بعضهم : وجدنا كل ما يتغير فيه حكم الفرض فيما بعد الواحد يستوي فيه الاثنان ، ما زاد عليهما كالبنتين ميراثهما كميراث الثلاث ، وكالأختين ميراثهما كميراث الثلاث ، وكالإخوة للأم إنما هو الثلث للاثنين كما هو للثلاث فوجب أن يكون حجب الأم بالاثنين كحجبها بالثلاث ؟ قال علي : فقلنا : ما وجب هذا قط كما تقول ، لأنه حكم منك لا من الله تعالى ، وكل ما قال الله تعالى فحق ، وكل ما قلت أنت مما لم يقله عز وجل فكذب ، وباطل ، فهات برهانا على صحة تشبيهك هذا ؟ وإلا فهو باطل وبالله تعالى التوفيق .

                                                                                                                                                                                          وقد وجب للأم بنص القرآن : الثلث ولم يحطها الله تعالى إلى السدس إلا بولد للميت ، أو بأن يكون له إخوة فلا يجوز منعها مما أوجبه الله تعالى لها ، إلا بيقين من سنة واردة ؟ ولا سنة في ذلك ولا إجماع - وبالله تعالى التوفيق .

                                                                                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية