الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
والفقهاء لهم في وجوب المراجعة قولان هما روايتان عن أحمد، ولهم في ارتجاعها في الحيضة التي تلي ذلك الطهر قولان هما روايتان عن أحمد . ومن قال: إن الرجعة لا تجب، وإنها تشرع في الطهر الذي يلي الحيضة، لم يكن في الأمر بالرجعة عنده فائدة، ولا زال بها مفسدة طلاق الحيض، بل ذلك أشد في الضرر عليها، فإنه يرتجعها وهو في الحيض لا يطأها، ثم يطلقها في الطهر الأول، فيحتاج إلى استئناف العدة عليها، فيزداد الطول والضرر. وهذا أشهر القولين. ومن قال: إنها تبني لم يكن في الارتجاع عنده فائدة; ومن قال: لا يطلقها إلا في الطهر الثاني فإنه لا يوجب وطأها في الطهر [ ص: 341 ] الأول، فإذا أمسكها ولم يطأها وطلقها في الطهر الثاني استأنفت العدة أيضا عند الجمهور، فكان ارتجاعها زيادة شر. وإن بنت على العدة فلا فائدة في الرجعة.

وهذا بخلاف ما إذا لم يقع الطلاق، فإنه لا عدة عليها فيردها؛ لأنها امرأته، ولا يطلقها في الطهر الأول لأنه لم يتمكن بعد من وطئها، فالنفور بينهما قد لا يزول، فإذا تركها إلى الطهر الثاني تمكن من وطئها، فربما بسبب ذلك تفتر رغبته عن الطلاق.

والشارع نهى الرجال أن يطلقوا إلا لاستقبال العدة، لئلا تطول بذلك العدة. فهذا حكمة نهي الشارع، لكن إذا فعلوا ما نهوا عنه، فإن أوقع الطلاق لغير العدة فقد حصل الشر الذي كرهه الله ورسوله، وحصل طول العدة لا محالة، لأن هذا الطلاق إذا وقع أوجب عدة، فتكون طويلة، ومراجعتها بعد ذلك - إذا قيل: إن الطلاق قد وقع - لا ترفع هذه العدة الطويلة، ولا تزيل هذا الضرر، بل إما أن تزيده ضررا وطولا آخر، كما هو قول الجمهور الذين يوجبون على المرتجعة إذا طلقت قبل الدخول عدة أخرى، وقد ذكر الثوري أن هذا إجماع الفقهاء. وإما أن تبقى العدة طويلة مضرة كما كانت، كما هو قول للشافعي ورواية عن أحمد.

فإن قيل: بل في الرجعة في الحيض تمكنه من الاستمتاع بغير الوطء، وفي تأخير الطلاق إلى الطهر الثاني تمكنه من وطئها في ذلك الطهر.

قيل: هذا الذي لا يزول الضرر إلا به لا يأمرون به، ولم يأمر الشارع به، وإنما أمر على قولكم بمجرد رجعة للمطلقة، وهذا المأمور [ ص: 342 ] به على قولكم يزيد الضرر، فإنه يكون قد طلقها واحدة، فيطلقها ثنتين. وهذا أيضا دليل آخر، وذلك أن مذهب مالك وأحمد في أظهر الروايات أن تفريق الثلاث في ثلاثة أطهار بدعة، وهو الصحيح، وأن السنة أن يطلقها واحدة، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، فإذا كانت الأولى قد وقعت ثم أبيح له الثانية في الطهر الأول أو الثاني، كان في هذا. خلاف للسنة بأن طلقها ثانية بعد أولى.

فإن قيل: لكن طلقها الثانية بعد أن راجعها، وهذا سنة بالاتفاق.

قيل: بل في هذا وجهان ذكرهما أبو الخطاب، أحدهما: أنه بدعة، وعلى هذا التقدير فالحديث حجة عليهم صريحة. والثاني - وهو الأظهر -: هو سنة لمن طلقها ثم راجعها ثم اختار طلاقها أن يطلقها، أما من كان غرضه طلاقها، وقد طلق واحدة، فيؤمر بما يلزم أن يوقع ثانية.

وأيضا فإن تطويل العدة وضررها يزول بذلك.

وأيضا فالاعتداد بتلك الطلقة من الثلاث أعظم ضررا على الزوجين من تطويل العدة عليها، ولو خيرت المرأة بين هذا وهذا لاختارت طول العدة على أن تحسب من الثلاث. فكيف تقصد مصلحتها بما هو عليها أشد ضررا.

وأما ما ذكره الآخرون فإنهم قالوا: أراد بذلك تقليل الطلاق، فإنه منع منه زمن الزهد فيها، وأذن فيه زمن الرغبة فيها. وإذا كان هذا مقصود الشارع فهذا المقصود لا يحصل إذا أمر المواقع له بالرجعة، وقيل له: طلق بعد ذلك، لأنه حينئذ لا يكون في الرجعة إلا تكثير الطلاق، لأن الأول لا يرتفع، والثاني قد يحصل، بل هو [ ص: 343 ] الأظهر ممن غرضه الطلاق، فيكون ما أمر به لا يرفع المفسدة بل يزيدها، بخلاف ما إذا لم يقع، فإن المفسدة تعدم حينئذ.

التالي السابق


الخدمات العلمية