الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 320 ] فصل

ثم إن المنازعين له إذا كانوا يقولون: نعلم بالضرورة امتناع ذلك بل وقالوا: إن ما يقول النفاة إنه الحق الذي يجب وصف واجب الوجود به فإنه ممتنع وجوده، معلوم امتناعه بضرورة العقل؛ بل يقولون: إنا نعلم بضرورة العقل أن رب العالمين فوق العالم: فنحن نعلم بضرورة العقل وجوب ما ادعى امتناعه بالنظر، وامتناع ما ادعى إمكانه بالنظر، وقد يقولون: نحن نعلم بالفطرة والضرورة أن الموجود أو أن الموجود الذي ليس هو صفة لغيره، أو أن واجب الوجود لا يكون إلا قائما بنفسه يمتنع غيره أن يكون بحيث هو، وأنه ليس خيالا وشبحا في النفس: بل هو شيء موجود له التحقق والثبوت الذي يعلم بالقلوب أنه تحقق وثبوت -وإن سماه المنازع تحيزا وتجسما ونحو ذلك- ونعلم بالضرورة والفطرة أن ما لا يكون كذلك لا يكون إلا معدوما، كما نعلم [ ص: 321 ] بالضرورة والفطرة أنه ما من موجودين حيين عالمين قادرين، بل ما من موجودين إلا وهما مشتركان في مسمى الوجود والثبوت، وإن تميز أحدهما عن الآخر بخاصيته التي تخصه، سواء كان واجبا أو لم يكن، وما به الاشتراك ليس هو ما به الامتياز ولا مستلزما له وإلا كان أحدهما هو الآخر إذا كان المشترك مستلزما للمميز، فإنه إذا لم يكن أحدهما مختصا بما يميزه بل حيث تحقق المشترك تحقق المميز والمشترك ثابت لهما فإذا كان المميز ثابتا لهما لم يكن لأحدهما تميز يخصه فلا يكون أحدهما غير الآخر، إذ لا بد في المعينين من أن يمتاز أحدهما عن الآخر بما يخصه، وإذا كان كل منهما موصوفا بقدر مشترك -والقدر المشترك أن يكون لأحدهما شبه ما للآخر ولو من بعض الوجوه- امتنع أن يكون في الوجود موجود لا يشارك الموجودات في شيء من الأمور الوجودية ولا يشابهها في شيء من ذلك؛ ولهذا كان السلف والأئمة يقولون: إن العلماء يعلمون بعقلهم انتفاء ذلك، كما قال الإمام أحمد رحمه الله في رده [ ص: 322 ] على الجهمية لما ذكر عنهم ما وصفوه من السلوب، وأنهم قالوا: "كل ما خطر على قلبك أنه شيء تعرفه فهو على خلافه" وهذا معنى قول المؤسس وذويه: إنه على خلاف الحس والخيال أو العقل، وقد تقدم ذكر ذلك. قال: (فقلنا: هو شيء. قالوا: هو شيء لا كالأشياء. فقلنا: إن الشيء الذي لا كالأشياء قد عرف أهل العقل أنه لا شيء، فعند ذلك تبين للناس أنهم لا يثبتون شيئا، ولكنهم يدفعون عن أنفسهم الشنعة بما يقرون به في العلانية. فإذا قيل لهم [ ص: 323 ] من تعبدون؟ قالوا: نعبد من يدبر أمر هذا الخلق، فقلنا: فهذا الذي يدبر أمر هذا الخلق هو مجهول لا يعرف بصفة؟ قالوا: نعم، فقلنا: قد عرف المسلمون أنكم لا تثبتون شيئا، إنما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون ) فذكر "أولا": أن ما يقال إنه شيء ثم يقال إنه لا كالأشياء -أي لا يشابهها بوجه من الوجوه، بل يخالفها من كل وجه- فهذا قد عرف أهل العقل أنه لا شيء؛ لأن العلم بذلك عام في أهل العقل. ولما ذكر "ثانيا" من يعبدون. قالوا: نعبد المدبر لهذا الخلق. فهذا إخبار عن المعبود الذي تجب عبادته في الدين، فلما قالوا: هو مجهول لا يعرف بصفة. قال: قد علم المسلمون أنكم لا تثبتون شيئا. لأن المسلمين يوجبون عبادة الله تعالى. فذكر أولا عن عموم أهل العقل أنهم لا يثبتون شيئا. وذكر ثانيا عن أهل الدين أنهم لا يعبدون شيئا. ذكر في كل مقام ما يناسبه؛ وذلك لأن المجهول لا يعرف فلا يقصد ولا يعبد، ومن لا يعرف [ ص: 324 ] بصفة تميزه من غيره لم يكن معلوما، فلا يكون معبودا. فهنا ذكر أن لا بد من صفة تميزه عن غيره، والنفاة يقولون هذا تجسيم. وذكر أولا أنه يمتنع أن لا يكون بينه وبين شيء من الموجودات قدر مشترك ولا شبه بوجه من الوجوه، والنفاة يقولون هذا تشبيه. فهم بما عنوه بلفظ التشبيه والتجسيم أوجبوا أن يكون الموصوف بنفي ذلك على المعنى الذي قصدوه معدوما؛ بل واجب العدم ممتنع الوجود، وإن كان اللفظ يحتمل نفي معان باطلة مثل نفي كونه مشابها للمخلوقات مماثلا لها من بعض الوجوه، فإن نفي هذا واجب، وكذلك نفي كونه يقبل التفريق والتفكيك فلا يكون صمدا أحدا هو أيضا واجب. فتكلموا أيضا باللفظ المجمل المتشابه الذي يحتمل الحق والباطل ولكن قصدوا به ما هو باطل، وإن قصدوا به ما هو أيضا حق أوهموا الناس أنهم لم يقصدوا به إلا نفي ما هو باطل، كما قال أحمد رحمه الله: (يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويوهمون جهال الناس بما يشبهون عليهم ).

التالي السابق


الخدمات العلمية