الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                        1444 32140 - قال مالك : ومعنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فيما نرى ، والله أعلم ، من غير دينه فاضربوا عنقه : أنه خرج من الإسلام إلى غيره ، مثل الزنادقة وأشباههم ، فإن أولئك إذا ظهر عليهم قتلوا ولم يستتابوا; لأنه لا تعرف توبتهم ، وأنهم كانوا يسرون الكفر ويعلنون الإسلام ، فلا أرى أن [ ص: 138 ] يستتاب هؤلاء ، ولا يقبل منهم قولهم ، وأما من خرج من الإسلام إلى غيره وأظهر ذلك ، فإنه يستتاب ، فإن تاب ، وإلا قتل ، وذلك ، لو أن قوما كانوا على ذلك ، رأيت أن يدعوا إلى الإسلام ويستتابوا ، فإن تابوا قبل ذلك منهم . وإن لم يتوبوا قتلوا ، ولم يعن بذلك ، فيما نرى والله أعلم ، من خرج من اليهودية إلى النصرانية ، ولا من النصرانية إلى اليهودية ، ولا من يغير دينه من أهل الأديان كلها ، إلا الإسلام ، فمن خرج من الإسلام إلى غيره ، وأظهر ذلك ، فذلك الذي عنى به . والله أعلم .

                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                        32141 - قال أبو عمر : على هذا جماعة العلماء فيمن خرج من دين اليهودية إلى النصرانية ، أو من النصرانية إلى اليهودية ، أو المجوسية أنه لا يقتل إن كان ذميا ، وله ذمته; لأن النصرانية ، واليهودية ، والمجوسية أديان ، قد جاء القرآن والسنة بأن يقر أهلها ذمة إذا بذلوا الجزية ، وأعطوها للمسلمين على ذلك ، لا خلاف بين العلماء فيما وصفنا .

                                                                                                                        32142 - إلا أن الشافعي قال : إذا كان المبدل لدينه من أهل الذمة كان للإمام أن يخرجه من بلده ، ويلحقه بأرض الحرب ، وجاز له استحلال ماله مع أموال الحربيين إن غلب على الدار ; لأنه إنما جعل له الذمة على الدين الذي كان عليه في حين عقد العهد له .

                                                                                                                        32143 - هكذا حكاه المزني وغيره من أصحابه عنه ، وهو المعروف من مذهبه .

                                                                                                                        [ ص: 139 ] 32144 - وحكى عنه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أن الذمي ، إذا خرج من دين إلى دين كان للإمام قتله ، بظاهر الحديث : من بدل دينه ، فاقتلوه .

                                                                                                                        32145 - والمشهور عن الشافعي ما قدمنا ذكره من رواية المزني ، والربيع عنه .

                                                                                                                        32146 - قال أبو عمر : ووجه رواية محمد عنه أن الذمي قبل أن تعقد له الذمة حلال الدم ، ثم صارت له الذمة بما عقد له الإمام من العهد على أن يقره على ذلك الدين إذا بذل الجزية ، فلما خرج عن الدين الذي عقدت له الذمة عليه عاد حكمه إلى حكم الحربي ، فجاز قتله ، وهذا وجه محتمل ، والله أعلم .

                                                                                                                        32147 - واختلف الصحابة ، ومن بعدهم - رضي الله عنهم - في استتابة المرتد :

                                                                                                                        32148 - فقال بعضهم : يستتاب مرة واحدة في وقت واحد ساعة واحدة ، فإن تاب ، وانصرف إلى الإسلام ، وإلا قتل .

                                                                                                                        32149 - وقال آخرون : يستتاب شهرا .

                                                                                                                        32150 - وقال آخرون : يستتاب ثلاثة أيام على ما روي عن عمر ، [ ص: 140 ] وعثمان ، وعلي ، وابن مسعود - رحمة الله عليهم - .

                                                                                                                        32151 - ولم يستتب ابن مسعود ابن النواحة وحده ; لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه من عند مسيلمة : لولا أنك رسول لقتلتك فقال له ابن مسعود : إذ أظهرت الردة أنت اليوم لست برسول فقتله ، واستتاب غيره .




                                                                                                                        الخدمات العلمية