الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            أما قوله تعالى : ( ومن يبدل نعمة الله ) ففيه مسائل :

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الأولى : قرئ ( ومن يبدل ) بالتخفيف .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثانية : قال أبو مسلم : في الآية حذف ، والتقدير : كم آتيناهم من آية بينة وكفروا بها ؛ لكن لا يدل على هذا الإضمار قوله : ( ومن يبدل نعمة الله ) .

                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثالثة : في ( نعمة الله ) ههنا قولان :

                                                                                                                                                                                                                                            القول الأول : أن المراد آياته ودلائله ، وهي من أجل أقسام نعم الله ; لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة ، ثم على هذا القول في تبديلهم إياها وجهان ، فمن قال : المراد بالآية البينة معجزات موسى عليه السلام ، قال : المراد بتبديلها أن الله تعالى أظهرها لتكون أسباب هداهم فجعلوها أسباب ضلالتهم كقوله : ( فزادتهم رجسا إلى رجسهم ) [التوبة : 125] ومن قال : المراد بالآية البينة ما في التوراة والإنجيل من دلائل نبوة محمد عليه السلام ، قال : المراد من تبديلها تحريفها وإدخال الشبهة فيها .

                                                                                                                                                                                                                                            والقول الثاني : المراد بنعمة الله ما آتاهم الله من أسباب الصحة والأمن والكفاية , والله تعالى هو الذي أبدل النعمة بالنقمة لما كفروا ، ولكن أضاف التبديل إليهم ؛ لأنه سبب من جهتهم وهو ترك القيام بما وجب عليهم من العمل بتلك الآيات البينات .

                                                                                                                                                                                                                                            أما قوله تعالى : ( من بعد ما جاءته ) فإن فسرنا النعمة بإيتاء الآيات والدلائل كان المراد من قوله : ( من بعد ما جاءته ) أي من بعد ما تمكن من معرفتها ، أو من بعد ما عرفها كقوله تعالى : ( ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ) [البقرة : 75] ؛ لأنه إذا لم يتمكن من معرفتها أو لم يعرفها ، فكأنها غائبة عنه ، وإن فسرنا النعمة بما يتعلق بالدنيا من الصحة والأمن والكفاية ، فلا شك أن عند حصول هذه الأسباب يكون الشكر أوجب فكان الكفر أقبح ، فلهذا قال : ( فإن الله شديد العقاب ) قال الواحدي رحمه الله تعالى : وفيه [ ص: 5 ] إضمار ، والمعنى شديد العقاب له ، وأقول : بين عبد القاهر النحوي في كتاب "دلائل الإعجاز" أن ترك هذا الإضمار أولى ; وذلك لأن المقصود من الآية التخويف بكونه في ذاته موصوفا بأنه شديد العقاب ، من غير التفات إلى كونه شديد العقاب لهذا أو لذلك ، ثم قال الواحدي رحمه الله : والعقاب عذاب يعقب الجرم .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية