الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                                                                                          ومن طريق يحيى بن سعيد القطان أنا صدقة بن المثنى أنا جدي - هو رباح بن الحارث أن عمار بن ياسر قال في المسجد الأكبر : العبد خير من العبدين والأمة خير من الأمتين ، والبعير خير من البعيرين ، والثوب خير من الثوبين ، فما كان يدا بيد فلا بأس به ، إنما الربا في النساء إلا ما كيل أو وزن .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : وزاد بعضهم في هذا الخبر : فلا يباع صنف منه بالصنف الآخر [ ص: 425 ] إلا مثلا بمثل - ومن طريق ابن أبي شيبة أنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن سالم أن ابن عمر كان لا يرى بأسا فيما يكال يدا بيد واحدا باثنين إذا اختلفت ألوانه .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن حماد بن أبي سليمان عن النخعي وعن رجل عن الحسن ، قالا جميعا : سلف ما يكال فيما يوزن ولا يكال ، وسلف ما يوزن ولا يكال فيما يكال ولا يوزن .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن موسى بن أبي عائشة عن إبراهيم النخعي قال : ما كان من بيع يكال مثلا بمثل ، فإذا اختلفت فزد وازدد يدا بيد ، وإن كان شيئا واحدا يوزن فمثلا بمثل ، فإذا اختلف فزد وازدد يدا بيد .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال : كل شيء يوزن فهو يجري مجرى الذهب والفضة ، وكل شيء يكال فهو يجري مجرى البر والشعير .

                                                                                                                                                                                          فأما الرواية عن معمر فمنقطعة ، وعن الحسن كذلك .

                                                                                                                                                                                          وأما قول عمار : فغير موافق لقولهم ، لكنهم موهوا به ; لأنه لا يخلو قوله : إلا ما كيل أو وزن من أن يكون استثناه من النساء الذي هو ربا ، أو يكون استثناه مما قال : إنه لا بأس به ما كان يدا بيد ، ولا سبيل إلى وجه ثالث ، فإن كان استثناه من النساء الذي هو ربا ، فهو ضد مذهبهم عينا ، وموجب أنه لا ربا إلا فيما يكال أو يوزن في النسيئة ، فإن كان استثناه مما لا بأس به يدا بيد ، فهو أيضا ضد مذهبهم وموجب : أنه لا يجوز ما كيل بما وزن يدا بيد .

                                                                                                                                                                                          وأما الزيادة التي زادوها فلا يباع صنف منه بالصنف الآخر إلا مثلا بمثل فهو ضد مذهبهم عيانا بكل حال .

                                                                                                                                                                                          وأما قول ابن عمر فصحيح عنه ، وقد صح عنه خلافه كما ذكرنا في ذكرنا قول الشافعي ، فليس أحد قوليه بأولى من الآخر ، مع أنه ليس فيه كراهية التفاضل فيما يكال ، ولا يوافقه سائر أقوالهم ، وما وجدنا قولهم يصح عن أحد قبلهم إلا عن النخعي ، والزهري فقط - فبطل كل ما موهوا به من الآثار .

                                                                                                                                                                                          فإن قالوا : لم ينص عليه السلام إلا على مكيل ، وموزون ؟

                                                                                                                                                                                          قلنا : ما الفرق بين هذا وبين من قال : لم ينص عليه السلام إلا على مأكول أو [ ص: 426 ] ثمن - أو من قال : لم ينص عليه السلام إلا على مقتات مدخر ، ومعدني ؟ وما يصلح به الطعام .

                                                                                                                                                                                          أو من قال : لم ينص عليه السلام إلا على ما يزكى وعلى مالح الطعم فقط - أو من قال : لم ينص عليه السلام إلا على نبات ، ومعدني ، وجامد ؟ فأدخل الربا في كل ما ينبت كالصبر وغير ذلك ، وأسقطه عن اللبن وما يتصرف منه ، وعن العسل ، واللحم ، والسمك ، فليس بعض هذه الدعاوى أولى من بعض .

                                                                                                                                                                                          وكل هذا إذا تعدى به ما ورد فيه النص فهو تعد لحدود الله تعالى ، وما عجز رسول الله صلى الله عليه وسلم قط عن أن يبين لنا مراده ، وحاش له أن يكلنا في أصعب الأشياء من الربا المتوعد فيه بنار جهنم في الآخرة والحرب به في الدنيا إلى هذه الكهانات الكاذبة ، والظنون الآفكة ، ظلمات بعضها فوق بعض - ونحمد الله على السلامة .

                                                                                                                                                                                          وعهدنا بهم يقولون : نحن على يقين من وجوب قطع اليد في عشرة دراهم ; وغير موقنين بوجوب قطعها في أقل ، ونحن موقنون بتحريم عصير العنب إذا أسكر ولم نوقن بتحريم ما عداه - ونحن موقنون بالقصر في ثلاث ولا نوقن به في أقل ، فلا نقول بشيء من ذلك حيث لا نوقنه .

                                                                                                                                                                                          فهلا قالوا ههنا : نحن موقنون بالربا في الأصناف المنصوص عليها ، ولسنا على يقين منه في غيرها ، فلا نقول به حيث لا يقين معنا فيه ؟

                                                                                                                                                                                          ولو فعلوا هذا ههنا وتركوا هنالك لوفقوا لأنهم كانوا يتبعون السنن - وبالله تعالى التوفيق - ثم لم يلبثوا أن نقضوا علتهم أقبح نقض ، فأجازوا تسليف الذهب ، والفضة فيما يكال ، وما يوزن .

                                                                                                                                                                                          وأجازوا بيع آنية نحاس بآنية نحاس أو وزن منها ، ولم يجيزوا ذلك في آنية الذهب ، والفضة ، وكل ذلك سواء عندهم في دخول الربا فيه .

                                                                                                                                                                                          ثم أجازوا بيع قمح بعينه بقمح بغير عينه ، أو تمر بعينه بتمر بغير عينه أو شعير بعينه بشعير بغير عينه ، فيقبض الذي بغير عينه ثم يفترقان قبل قبض الذي بعينه - وحرموا ذلك في ذهب بعينه بذهب بغير عينه ، وفي فضة بعينها بفضة بغير عينها ، ولا فرق بين [ ص: 427 ] شيء من ذلك ، لا في نص ، ولا في معقول ، فأباحوا الربا جهارا - ونعوذ بالله من الخذلان - فبطلت علة هؤلاء ، وبطل قولهم يقينا .

                                                                                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية