الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                                                                                          1497 مسألة :

                                                                                                                                                                                          فإن كان العيب في نفس ما اشترى ككسر ، أو كان الذهب ناقص القيمة بطبعه ، والفضة كذلك ، كالذهب الأشقر والأخضر بطبعه .

                                                                                                                                                                                          فإن كان اشترط السلامة فالصفقة كلها مفسوخة ; لأنه وجد غير ما اشترى ، فلا يحل له مال غيره مما لم يعقد عليه بيعا .

                                                                                                                                                                                          وإن كان لم يشترط السلامة فهو مخير بين إمساك الصفقة كما هي ولا رجوع له بشيء ، وإما فسخها كلها ولا بد ; لأنه اشترى العين ، فهو عقد صحيح ثم وجد غبنا ، والغبن إذا رضيه البائع وعرف قدره جائز لا كراهية فيه على ما قدمنا قبل .

                                                                                                                                                                                          ولا يحل له تبعيض الصفقة ; لأنه لم يتراض البيع من صاحبه إلا على جميعها ، فليس له غير ما تراضيا به معا ، لقول الله تعالى { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم }

                                                                                                                                                                                          وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام }

                                                                                                                                                                                          فلا يحل له من مال غيره إلا ما تراضيا به معا .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : وهذا مكان اختلف فيه الخلف والسلف : فروينا من طريق الحجاج بن المنهال أنا حفص بن غياث بن الأشعث الحراني عن عكرمة عن ابن عباس فيمن يشتري الدراهم ويشترط إن كان فيها زائف أن يرده : أنه كره الشرط ، وقال : ذلك له إن لم يشترط .

                                                                                                                                                                                          قال علي : ظاهر هذا رد البيع ; لأنه لو أراد رد الزائف وحده لذكر بطلان ما قابله ، وصحة العقد في سائر الصفقة ، أو لذكر الاستدلال ، ولم يذكر من ذلك كله شيئا ، فلا يجوز أن يقول ما لم يقل فقول ابن عباس هو قولنا .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق الحجاج بن المنهال أنا همام هو ابن يحيى قال : زعم ابن جريج : أن ابن عمر اشترى دراهم بدنانير فأخطئوا فيها بدرهم ستوق فكره أن يستبدله وهذا منقطع ، ولا نعلم أحدا من الحاضرين قال به ، ولا نعلم الآن عن الصحابة رضي الله عنهم غير ما ذكرنا . [ ص: 461 ]

                                                                                                                                                                                          وقال سفيان الثوري : هو مخير بين أن يستبدله وبين أن ينقض الصرف في مقدار ما وجد رديئا فقط قال الأوزاعي ، والليث ، والحسن بن حي : يستبدل كل ما وجد زائفا قل أو كثر قال ابن حي والستوق كذلك .

                                                                                                                                                                                          قال علي : الستوق هو المغشوش بشيء غيره ، مثل أن يكون الدرهم كله رصاصا ، أو يكون الدينار كله فضة أو نحاسا .

                                                                                                                                                                                          والزائف الرديء من طبعه الذي فيه غش

                                                                                                                                                                                          وقال أبو حنيفة : إن وجد بعد التفرق نصف الجميع فأكثر زيوفا فليس له أن يستبدل ألبتة ، لكن إن رد الزيوف بطل الصرف في مقدارها من الصفقة وصح فيما سواها .

                                                                                                                                                                                          وظاهر قوله أن له أن لا يرد ، فإن وجدها أقل من النصف فله أن يمسك وله أن يستبدل ما وجد زائفا فقط ، ولا يفارقه حتى يقبض البدل ، فإن فارقه قبل القبض انتقض الصرف فيما لم يقبض ولو أنه درهم أو أكثر وصح فيما قبض ولو أنه درهم أو أقل .

                                                                                                                                                                                          فإن كان الذي وجد ستوقا انتقض الصرف فقط لو لم يكن إلا درهما واحدا فأكثر وصح في باقي الصفقة ويكون هو والبائع شريكين في الدينار الذي انتقض الصفر في بعضه .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : ليت شعري ، أي بعض منه انتقض فيه الصرف ، وأي بعض ، منه صح فيه الصرف هذا المجهول والغرر بعينه ، وروي عنه : أنه حد ما يستبدله مما لا يجوز فيه الاستبدال بالثلث وهذا قول لا نعلمه عن أحد قبله ، وتقسيم في غاية الفساد بلا برهان ، وحكم الحرام والحلال في الكثير والقليل منهما سواء ، إلا أن يأتي قرآن أو سنة بفرق وتحديد فالسمع والطاعة وقال أبو يوسف ، ومحمد بن الحسن : يستبدل ما وجد زائدا أو ستوقا ، قل أو كثر .

                                                                                                                                                                                          قال علي : هذا باطل ; لأنه يصير ذهبا بفضة ، أو بذهب ، أو فضة بفضة غير يد بيد ، وهذا الربا المحض وقال زفر : ينتقض الصرف ولا بد فيما وجد قل أو كثر ويصح في السالم قل أو كثر .

                                                                                                                                                                                          قال علي : هذا تبعيض صفقة لم يقع العقد قط على بعضها دون بعض ، فهو أكل [ ص: 462 ] مال بالباطل وقال مالك : إن وجد ستوقا أو زائفا فإن كان درهما أو أكثر ما لم يتجاوز صرف دينار انتقض الصرف في دينار واحد ، وصح سائر الصفقة ، فإن وجد من ذلك ما يكون صرفه أكثر من دينار أو دينارين أو دنانير : انتقض الصرف فيما قابل ما وجده فإن شرع الانتقاض في دينار انتقض ذلك الدينار .

                                                                                                                                                                                          قال علي : ليت شعري أي دينار هو الذي ينتقض ، أيها هو الذي لا ينتقض ؟ هذا بيع الغرر ، والمجهول وأكل المال بالباطل .

                                                                                                                                                                                          ثم عجب آخر وهو إجازته بعض الصفقة دون بعضها وإبطاله صرف جميع الدينار الذي شرع الانتقاض في بعضه وهذا تناقض ظاهر ، وكلاهما تبعيض لما لم يتراضيا بتبعيضه في العقد ، وقول لا نعلمه عن أحد قبله .

                                                                                                                                                                                          وللشافعي قولان أحدهما : أن الصرف كله ينتقض ، والثاني : أنه يستبدل ، كقول الليث والأوزاعي ، والحسن بن حي وهذا مما خالفوا فيه قول صاحبين ، لا يعرف لهما مخالف من الصحابة رضي الله عنهم .

                                                                                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية