الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      ولما حصر الدعاء في الذكرى ، وكان ذلك نفعا لهم ورفقا بهم ، لا تزيد طاعتهم في ملك الله شيئا ولا ينقص [ ص: 184 ] إعراضهم من عظمته شيئا ؛ لأن كل ذلك بإرادته; بنى حالا منهم ، فقال تأكيدا لأمر الرسالة بالإنكار على من جحدها وإلزاما لهم بما هم معترفون به ، أما أهل الكتاب فعلما قطعيا ، وأما العرب فتقليدا لهم ؛ ولأنهم سلموا لهم العلم وجعلوهم محط سؤالهم عن محمد - صلى الله عليه وسلم - : وما أي : فقلنا ذلك لهم خاصة والحال أنهم ما قدروا أي : عظموا الله أي : المستجمع لصفات الكمال حق قدره أي : تعظيمه في جحدهم لذكراهم وصدهم عن بشراهم ومقابلتهم للشكر عليه بالكفر له; قال الواحدي : يقال قدر الشيء - إذا سبره وحزره وأراد أن يعلم مقداره - يقدره - بالضم - قدرا ، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - :

                                                                                                                                                                                                                                      ( فإن غم عليكم فاقدروا له ) ، أي : فاطلبوا أن تعرفوه - هذا أصله في اللغة ، ثم قيل لمن عرف شيئا : هو يقدر قدره ، وإذا لم يعرفه بصفاته : إنه لا يقدر قدره إذ أي : حين قالوا أي : اليهود ، والآية مدنية وقريش في قبولهم لقولهم ، ويمكن أن تكون مكية ، ويكون قولهم هذا حين أرسلت إليهم قريش تسألهم عنه - صلى الله عليه وسلم - في أمر رسالته واحتجاجه عليهم بإرسال موسى - عليه السلام - وإنزال التوراة عليه ما أنـزل الله أي : ناسين ما له من صفات الكمال على بشر من شيء لأن [ ص: 185 ] من نسب ملكا تام الملك إلى أنه لم يثبت أوامره في رعيته بما يرضيه ليفعلوه وما يسخطه ليجتنبوه ، فقد نسبه إلى نقص عظيم ، فكيف إذا كانت تلك النسبة كذبا! وهذا وإن كان ما قاله إلا بعض العالمين بل بعض أهل الكتاب الذين هم بعض العالمين ، أسند إلى الكل ، لأنهم لم يردوا على قائله ولم يعاجلوه بالأخذ تفظيعا للشأن وتهويلا للأمر ، وبيانا لأنه يجب على كل من سمع بآية من آيات الله أن يسعى إليها ويتعرف أمرها ، فإذا تحققه فمن طعن فيها أخذ على يده بما يصل إليه قدرته ، كما أنه كذلك كان يفعل لو كان ذلك ناشئا عن أبيه أو أحد ممن يكون فخره به من أبناء الدنيا ، وفي ذلك أتم إشارة إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عماد الأمور كلها ، من فرط فيه هلك وأهلك ; روى الواحدي في أسباب النزول بغير سند عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ومحمد بن كعب القرظي أن اليهود قالوا : ما أنزل الله على بشر من شيء ، فأنزل الله تعالى - يعني : هذه الآية ، فقال مشيرا إلى أن اليهود قائلو ذلك ، وملزما بالاعتراف بالكذب أو المساواة للأميين في التمسك بالهوى دون كتاب ، موبخا لهم ناعيا عليهم سوء جهلهم وعظيم بهتهم وشدة وقاحتهم وعدم حيائهم : قل أي : لهؤلاء السفهاء الذين تجرؤوا على هذه المقالة غير ناظرين في عاقبتها وما يلزم منها توبيخا لهم وتوقيفا على [ ص: 186 ] موضع جهلهم من أنـزل الكتاب أي : الجامع للأحكام والمواعظ وخيري الدنيا والآخرة الذي جاء به موسى أي : الذي أنتم تزعمون التمسك بشرعه ، حال كون ذلك الكتاب نورا أي : ذا نور يمكن الأخذ به من وضع الشيء في حاق موضعه وهدى للناس أي : ذا هدى لهم كلهم ، أما في ذلك الزمان فبالتقيد به ، وأما عند إنزال الإنجيل فبالأخذ بما أرشد إليه من اتباعه ، وكذا عند إنزال القرآن ، فقد بان أنه هدى في كل زمان ، تارة بالدعاء إلى ما فيه وتارة بالدعاء إلى غيره; ثم بين أنهم أخفوا منه ما هو نص وصريح في الدعاء إلى غيره اتباعا منهم للهوى ولزوما للعمى ، فقال : تجعلونه أي : أيها اليهود قراطيس أي أوراقا مفرقة لتتمكنوا بها من إخفاء ما أردتم تبدونها أي : تظهرونها للناس وتخفون كثيرا أي : منها ما تريدون به تبديل الدين - هذا على قراءة الجماعة بالفوقانية ، وعلى قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالغيبة هو التفات مؤذن بشدة الغضب مشير إلى أن ما قالوه حقيق بأن يستحيى من ذكره فكيف بفعله ! ثم التفت إليهم للزيادة في تبكيتهم إعلاما بأنهم متساوون لبقية الإنسان في أصل الفطرة ، بل العرب أزكى منهم وأصح أفهاما ، فلولا ما أتاهم به موسى - عليه السلام - ما فاقوهم بفهم ، ولا زادوا عليهم في علم ، فقال : وعلمتم أي : أيها اليهود بالكتاب الذي أنزل على موسى ما لم تعلموا أنتم أي [ ص: 187 ] أيها اليهود من أهل هذا الزمان ولا آباؤكم أي : الأقدمون الذين كانوا أعلم منكم .

                                                                                                                                                                                                                                      ولما كانوا قد وصلوا في هذه المقالة إلى حد من الجهل عظيم ، قال مشيرا إلى عنادهم : قل أي : أنت في الجواب عن هذا السؤال غير منتظر لجوابهم فإنهم أجلف الناس وأعتاهم الله أي : الذي أنزل ذلك الكتاب ثم بعد أن تقول ذلك لا تسمع لهم شيئا بل ذرهم في خوضهم أي : قولهم وفعلهم المثبتين على الجهل المبنيين على أنهم في ظلام الضلال كالخائض في الماء يعملون ما لا يعلمون يلعبون أي : يفعلون فعل اللاعب ، وهو ما لا يجر لهم نفعا ولا يدفع عنهم ضرا مع تضييع الزمان .

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية