الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                          صفحة جزء
                          ( فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ) أي فلما ذاقا ثمرة الشجرة ظهرت لكل منهما سوءته وسوءة صاحبه وكانت مواراة عنهما ، قيل : بلباس من الظفر كان يسترهما فسقط عنهما ، وبقيت له بقية في رءوس أصابعهما ، قيل : بلباس مجهول كان الله تعالى ألبسهما إياه ، وقيل : بنور كان يحجبهما ، ولا دليل على شيء من ذلك ولم يصح به أثر عن المعصوم صلى الله عليه وسلم والأقرب عندي أن معنى ظهورها لهما أن شهوة التناسل دبت فيهما بتأثير الأكل من الشجرة ، فنبهتهما إلى ما كان خفيا عنهما من أمرها ، فخجلا من ظهورها ، وشعرا بالحاجة إلى سترها ، وشرعا يخصفان أي يلزقان أو يضعان ويربطان على أبدانهما من ورق أشجار الجنة العريض ما يسترها - من خصف الإسكافي النعل إذا وضع عليها مثلها - فالمواراة كانت معنوية ، فإن كانت حسية فما ثم إلا الشعر ساتر خلقي ، وقد تظهر الشهوة ما أخفاه الشعر ، وإن لم يسقط بتأثير ذلك الأكل . ويدل على كل من هذين الوجهين فطرة الإنسان التي نزلت الآيات في شرح حقيقتها وغرائزها والله أعلم بمراده ، وخلقه وقدره أصدق شاهد لكتابه .

                          ( وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين ) الاستفهام هنا للعتاب والتوبيخ ، أي وقال لهما ربهما الذي يربيهما في طور المخالفة والعصيان ، كما يربيهما في حال الطاعة والإذعان : ألم أنهكما عن تلكما الشجرة أن تقرباها ، وأقل لكما : إن الشيطان عدو لكما دون غيركما من الخلق ، بين العداوة ظاهرها فلا تطيعاه يخرجكما من الجنة حيث العيش [ ص: 312 ] الرغد إلى حيث الشقاء في المعيشة والتعب في جهاد الحياة ! وهذا القول هو ما ورد في سورة طه : ( فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ) ( 20 : 117 ) والقرآن يفسر بعضه بعضا سواء ما تقدم نزوله منه وما تأخر .

                          ( قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) هذا بيان مستأنف لما كان من أمرهما بعد أن تذكرا نهي الرب لهما عن الأكل من الشجرة لما فيه من ظلمهما لأنفسهما به ، وهو أنهما قالا : يا ربنا ، إننا ظلمنا أنفسنا بطاعتنا للشيطان وعصياننا لك كما أنذرتنا ، وقد عرفنا ضعفنا وعجزنا عن التزام عزائم الطاعات ، وإن لم تغفر لنا ما نظلم به أنفسنا ، وترحمنا بهدايتك لنا وتوفيقك إيانا إلى ترك الظلم ، والاعتصام من الجهل والجهالة بالعلم والحلم ، وبقبولنا إذا نحن تبنا إليك ، وبإعطائك إيانا من فضلك ، فوق ما نستحق بعدلك ، فوحقك لنكونن إذا من الخاسرين لأنفسنا وللسعادة والفلاح بتزكيتها ، وإنما ينال الفوز والفلاح بمغفرتك ورحمتك من يتوب إليك ويتبع سبيلك ، دون من يصر على ذنبه ويحتج على ربه كالشيطان الرجيم . الذي أبى واستكبر ، واحتج لنفسه على المعصية وأصر .

                          هذا ما يدل عليه المقام وتقتضيه الحال من معنى كلمات آدم التي تلقاها من ربه ، وهي التي أشير إليها في سورة البقرة : ( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم ) ( 2 : 37 ) قالها خاشعا متضرعا وتبعته زوجه بها ، فحذفهما لمفعول ( تغفر ) - إذ لم يقولا : وإن لم تغفر لنا ذنبنا هذا أو ظلمنا - يدل على أنهما قد علقا النجاة من الخسران على المغفرة العامة المطلقة التي تشمل هذا الذنب وغيره ، من كل ذنب يتوب الإنسان عنه ويرجع إلى ربه ، وهو الذي يقتضيه مقام بيان حال الفطرة البشرية المبين في آيات أخرى كآية الأحزاب في حمل الإنسان للأمانة ، وكونه كان بذلك ظلوما جهولا ، وآية المعارج : ( إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين ) ( 70 : 19 - 22 ) إلخ ويؤيده أن هذا الذنب بعينه قد عوقبا عليه بالإخراج من الجنة وبالتشهير الدائم بإعلامه تعالى ذريتهما به ، وهاك ما أجابهما الرب تعالى به ، إذ المقام مقام السؤال عنه :

                          التالي السابق


                          الخدمات العلمية