الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بعد توبتي توهمني الوساوس بأنها لن تقبل، فكيف أتخلص منها؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شاب في مقتبل العمر (طالب في الصف الأول الثانوي)، ألتزم بالمنهج الشرعي الصحيح؛ منهج أهل السنّة والجماعة والسلف الصالح، وأسعى لحفظ القرآن والمتون وطلب العلم.

مشكلتي بدأت بعد أن وقعتُ في الماضي في بعض نواقض الإسلام، لكنّي -بفضل الله ومنّته- تبتُ منها توبةً نصوحًا منذ فترة، وتركتها تمامًا، وندمتُ عليها، وعدتُ إلى صلاتي وعبادتي.

المشكلة الحالية: منذ التوبة، تهاجمني وساوس قهرية وشكوك ملحّة جدًّا ومزعجة، توهمني بأنني لستُ مسلمًا، وأنّ الله لم يقبل توبتي وتركَني، أصبحتُ أعيش في همٍّ وغمٍّ وحزنٍ دائم، وفقدتُ طعم السعادة والراحة، ولا أستطيع التركيز في دراستي وحفظي بسبب هذه الأفكار.

وممّا يزيد قلقي وحزني أنّني أطلب من الله تعالى دائمًا في دعائي أن أرى النبي ﷺ في المنام كبشرى وعلامة على القبول، لكنّي لا أرى شيئًا، فيوسوس لي الشيطان بأنّ هذا دليل على طردي من رحمة الله وعدم قبول توبتي.

أرجو منكم توجيهي وإجابتي على الآتي:
- هل توبتي مقبولة شرعًا، ويقيني بالإسلام ثابت لا يزول بهذه الشكوك والخواطر التي أكرهها؟
- كيف أتعامل شرعيًّا وعمليًّا مع هذه الوساوس والأفكار، التي تسبّب لي الضيق والحزن الدائم؟
- هل حالتي هذه تحتاج إلى مراجعة طبيب نفسي أو أخصائي علاج سلوكي، بجانب التوجيه الشرعي؟

جزاكم الله خيرًا، ونفع بكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الابن الفاضل/ مروان .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع، ونهنئك بتوفيق الله تعالى لك حين حبب إليك حفظ القرآن الكريم وتعلم العلم الشرعي، واتباع منهج الصحابة منهج أهل السنة والجماعة، فنسأل الله تعالى أن يزيدك توفيقًا وصلاحًا.

ومن الطبيعي -أيها الحبيب- أنك ما دمت قد اخترت طريق التديُّن والالتزام، والاشتغال بالطاعات والتقرب إلى الله، فمن الطبيعي أن يحاول الشيطان قطع الطريق عليك؛ فإن هذا عمله الذي قد التزم به وأقسم عليه، فقال كما حكى الله تعالى عنه: {لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ}.

وقد لخص النبي ﷺ جهود الشيطان في قطع طريق هذا الإنسان المؤمن بقوله صلواتُ الله وسلامه عليه: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ كُلِّهَا»، فهو بعد أن يئس منك حين دعاك إلى المعاصي والذنوب واقتراف الموبقات، ورآك مُصرًا على التديُّن والالتزام بسلوك الطريق التي توصلك إلى الله، توجهت جهوده بعد ذلك ومحاولاته البائسة اليائسة إلى محاولة التشكيك والوسوسة.

وقد أكد النبي ﷺ هذا المعنى بهذه الكيفية وبهذه الطريقة؛ فقد جاءه بعض الصحابة يشكو إليه أنه يجد في صدره وساوس يكره أن يتكلم بها، فقال له النبي ﷺ: «ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ» أي أن وجود الوساوس في الصدر مع كراهة الإنسان لها، وخوفه منها وبغضه لها، دليل على وجود إيمان في القلب يخالف هذه الوساوس ويناقضها، ولولا وجود هذا الإيمان؛ لما كان الإنسان يشعر بكل هذا الانزعاج والقلق والخوف، وهذا منطبق على حالك تمامًا.

فنحن نحب أولًا أن نطمئنك بأنك على الإسلام وعلى الإيمان، وأن هذه الوساوس لن تُؤثِّر في دينك ولن تضرك، بل حالك هذا الذي دعاك إلى كل هذا الانزعاج وكتابة هذا السؤال، وكل هذا الخوف الذي ظهر جليًّا من خلال كلماتك، كل ذلك دليل على وجود الإيمان في قلبك.

فاحمد الله -سبحانه وتعالى- الذي ثبتك على الإيمان، واعلم بأن التوبة يتقبلها الله تعالى من صاحبها ويمحو بها ذنبه السابق، وهذا أمر قطعي نجزم به أن الله تعالى يقبل التوبة من عبده، فقد قال سبحانه وتعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ}، وقال: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ}، فتوبتك يمحو الله تعالى بها ذنوبك السابقة مهما كانت تلك الذنوب، كما قال الرسول ﷺ: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ».

فالآن نحن ننصحك -أيها الحبيب- بأن تتبع التوجيهات النبوية لدفع هذه الوساوس عن نفسك، هذه التوجيهات لخصها الرسول ﷺ بوصايا ثلاث:

الوصية الأولى: الإعراض عن هذه الوساوس وعدم الاشتغال بها، فلا تبالِ بها وحقّرها واتركها وانصرف عنها، وكلما داهمتك هذه الأفكار تحوَّل فورًا إلى أفكار أخرى، وإلى أعمال أخرى تنفعك في دينك أو في دنياك، لا تستسلم لهذه الوساوس، ولا تتفاعل معها، ولا تبحث عن إجابات لأسئلتها، وبهذه الطريقة ستزول عنك بإذن الله.

الوصية الثانية: الإكثار من الاستعاذة بالله تعالى وطلب الحماية منه كلما داهمتك هذه الأفكار، فكلما عرضت لك هذه الأفكار قل: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم".
والوصية الثالثة: التحصُّن بذكر الله تعالى.

فهذه التوجيهات الشرعية التي ستحميك -بإذن الله تعالى- من هذه الوساوس وتخلصك منها.

وبجانب كل هذا -أيها الحبيب- يستحسن أن تبحث عن الدواء الحسي المادي للجسد؛ فإن الجسم قد تعتريه بعض الاختلالات فيحتاج إلى أدوية تعيد إليه مزاجه وتصحح له اعتداله، وهذا جزء من التداوي الذي أمرنا به النبي ﷺ، فاحرص عليه.

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يصرف عنا وعنك كل سوء ومكروه.
_______________________________________________
انتهت إجابة الشيخ الدكتور أحمد سعيد الفودعي، مستشار الشؤون الأسرية والتربوية.
وتليها إجابة الدكتور/ محمد عبد العليم، استشاري أول الطب النفسي وطب الإدمان.
_______________________________________________

الابن الفاضل، أرحب بك في استشارات إسلام ويب.

لا شك أن هذا النوع من الوساوس مؤلم جدًّا للنفس الإنسانية، خاصة لشاب في مثل عمرك وحريص على دينه.

أيها الفاضل الكريم، تضمنت استشارتك جوانب شرعية هامة، وقد أفاض الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي -حفظه الله- في الإجابة عن كافة استفساراتك المتعلقة بها، وأنا على يقين بأن التوجيهات التي قدمها الشيخ مفيدة جدًّا لك؛ لذا أرجو منك العمل بما جاء فيها واتباع إرشاداته بدقة، وحقيقة هذا هو الواقع والتعامل مع هذه الوساوس.

ومن أهم العلاجات السلوكية -أيها الفاضل الكريم- هو أنه يمكنك أن تكتب هذه الوساوس في ورقة، ثم تقسمها إلى مجموعات، ثلاث أو أربع مجموعات مثلًا، ابدأ بأضعفها أو أقلها حدة وشدة واستحواذًا، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، إلى أن تنتهي بأشدها وأقواها وأكثرها إطباقًا عليك.

عليك أن تُطبق ثلاثة تمارين على كل حزمة وسواسية، وذلك بأن تجلس داخل الغرفة وفي هدوء تام وتطبق التمرين الأول والذي نسميه (التحقير والتجاهل)، حيث تتأمل في الفكرة الوسواسية لوهلة قصيرة، ثم تخاطب الفكرة قائلًا: "أنتِ فكرة حقيرة، أنا لن أتبعكِ أبدًا"، وتُكرّر هذا مع نفسك، تخاطب الفكرة كأنك تخاطب شخصًا أمامك، وهذا يستغرق دقيقة إلى دقيقتين.

ثم بعد ذلك تطبق التمرين الثاني والذي نسميه (صرف الانتباه)، ونقصد بصرف الانتباه أن تأتي بفكرة مخالفة تمامًا للفكرة الوسواسية وتتأمل فيها، مثلًا: تأمل في يوم تخرجك من الجامعة، أو في يوم زواجك، أو في اليوم الذي أكملت فيه حفظ القرآن، وهكذا، أحداث جميلة؛ وهذه الأحداث الجميلة إذا تأمَّلت فيها بقوة سوف تستحوذ على الطبقة الأولى من تفكيرك، وهذا يعني أن الوساوس سوف تنزل إلى الطبقة الدُّنيا.

ثم يأتي التمرين الثالث والذي نسميه (التنفير)، وهو تمرين مهم جدًّا، من خلال التنفير تربط الوسواس بشيء لا تحبه النفس الإنسانية، وقد وجدنا أن إيقاع الألم الجسدي وربطه بالوسواس يضعفها كثيرًا؛ فمثلًا: اجلس أمام الطاولة داخل المنزل، وقم بالضرب على يدك بقوة وشدة حتى تحس بالألم، وفي ذات الوقت تستجلب الفكرة الوسواسية، أو قم بالفعل الوسواسي، وكرر هذا 20 مرة متتالية، فإذا طبقته على أصوله فسوف يكون مفيدًا جدًّا بالنسبة لك.

معظم الذين يلتزمون بهذه التمارين تخف وساوسهم كثيرًا، ومن ثم تختفي -إن شاء الله تعالى-، وتوجد تمارين أخرى كثيرة، لكن هذه أفضلها، وبعد أن تطبق التمارين الثلاثة على الفكرة الأولى، انتقل بعد ذلك إلى الفكرة التي تليها، علمًا بأن هذه التمارين تتطلب أن تأخذ تطبيقها أمرًا جديًّا، وأن تكون داخل الغرفة وفي مكان هادئ، وتعتبر هذه هي الحصة العلاجية بالنسبة لك، ويجب ألَّا تقل عن 20 دقيقة إلى نصف ساعة في كل جلسة.

أمر آخر مهم جدًّا وهو أن تُحسن إدارة وقتك، وألَّا تترك مجالًا للفراغ.

بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، وبالله التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً