الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ما الواجب عليّ فعله لأحافظ على ديني في زمن الفتن؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سمعت من شيوخ ومحللين كثيرين -ليسوا دجالين- أن هناك احتمالًا كبيرًا لقرب فتن آخر الزمان، وأنها تصيب الجميع، فكيف آخذ بالأسباب لكي لا أكون من الخاسرين المفتونين؟ وما العلم الواجب تعلمه وتعليمه للوقاية؟ وهل من الطبيعي أن أتمنى الموت قبل وقوعه، فقد بدأ الخوف يتسلل إلي؟

وما الإرشادات التي يجب التأقلم عليها، حتى لا أطلب عرض الدنيا؟ وكيف يكون شكل العبادات الآن؟ هل أتبع هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في يومه العادي أم أزيد؟ وهل ورد في السنة أماكن تكون الفتن فيها أقل لنسافر وننتقل إليها بإذن الله؟ وما صفات الذين يثبتهم الله؟ وكيف أصل إليها سريعًا مع أن عملي وإيماني قليل؟

وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ جنى .. حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع، ونشكر لك أيضًا حرصك على الحفاظ على دينك والابتعاد عن الفتن، وهذا توفيق من الله -سبحانه وتعالى- لك.

ولكن نرى -أيتها البنت الكريمة- من خلال أسئلتك، أنك ربما بالغت في هذا التخوف، بسبب ما سمعتِه من الشيوخ -كما ذكرتِ- والمحللين الذين يتكلمون عن اقتراب فتن آخر الزمان، بينما نرى -ابنتنا الكريمة- أن الأمر لا يستحق منك كل هذا القلق والخوف، الذي لا يدفعك إلى العمل الصالح فقط، وإنما قد يزيد على ذلك بأن يجعلك تعيشين حالة من الفزع والخوف المؤدي إلى مراحل من الاكتئاب، ونحو ذلك من الأحوال التي لا يريدها الله تعالى منك.

فالله سبحانه وتعالى شرع شرعه، وأنزل كتابه ليكونا سببًا لسعادتنا وطمأنينة نفوسنا، فقد قال سبحانه وتعالى: {طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى}، وقال سبحانه وتعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}، ووعد -سبحانه وتعالى- عباده الصالحين المتمسكين بهدي الله وشرعه العاملين بما فيه، وعدهم بالحياة الطيبة، فقال: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}.

فنحب أولًا أن نبشرك بأنك ما دمت مع الله -سبحانه وتعالى- فأبشري بالحياة الطيبة، والتثبيت على الخير وعلى الطمأنينة، فإن الله تعالى كما أخبر عن نفسه في كتابه أنه يُثبِّتَ الذين آمنوا، كما قال سبحانه في سورة إبراهيم: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ}، فأبشري بسعة رحمة الله تعالى وفضله، وحفظه وصيانته لعبده المؤمن.

وقد أحسنت -ابنتنا الكريمة- حين سألتِ عن الأسباب للوقاية من الفتن، وهذا سؤال شرعي صحيح، فالإنسان المؤمن مأمور بأن يأخذ بالأسباب للحفاظ على دينه، والرسول ﷺ أرشد إلى هذا في أحاديث كثيرة.

وأهم هذه الأسباب: أن يتعلم الإنسان الفرائض التي كلفه الله تعالى بها، فيتعلم أحكام صلاته وصيامه، ونحو ذلك من العبادات التي كُلِّف بها، ويتعلم في الوقت نفسه المحرمات التي حرمها الله تعالى عليه، سواء كانت محرمات قلبية -أي الأمراض والأدواء التي تصيب القلب- مثل الحسد والكبر والرياء والإعجاب، ونحو ذلك من الآفات والأمراض القلبية، أو كانت محرمات باللسان، أو كانت محرمات بسائر الجوارح.

فإذا تعلم الإنسان هذا القدر من العلم، وعرف ما يطلب الله تعالى منه فعله وما يطلب منه اجتنابه، فإنه قد سلك أول الطريق المؤدي إلى النجاة والسلامة، وبقي بعد ذلك أن يجاهد نفسه للعمل بفرائض الله تعالى واجتناب محرماته، وهو إذا فعل هذا؛ فإنه في حفظ الله تعالى وصيانته، كما وعد الله تعالى بذلك في كتابه، ووعد بذلك رسوله ﷺ في صحيح أحاديثه.

فلا قلق ولا خوف حينما يتمسك الإنسان بدينه، ويفعل ما أمر الله تعالى به، ويجتنب ما حرم، فأكْثري من ذكر الله تعالى، وتعلم هذا النوع من العلم الذي تحتاجينه، وأكثري من دعاء الله تعالى وتعليق قلبك به، فهو -سبحانه وتعالى- المدافع عن الذين آمنوا كما قال في كتابه: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا}، ولا تبالغي في التخوف من أحداث المستقبل، فإنها إذا حدثت وأنت ماشية على هذا الطريق، فإنك في حفظ الله تعالى وصونه.

أمَّا تمني الموت فلا ينبغي لإنسان أن يتمنى الموت، لكن الدعاء النبوي الذي قال فيه النبي ﷺ: «وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ»، فهذا القدر من الدعاء تفويض في الحقيقة، وإرجاع للأمور إلى الله تعالى بأن يختار له ما هو خير، وأن يجعل الحياة خيرًا وأن يجعل الموت خيرًا.

أمَّا السفر والانتقال إلى بلدان أخرى تقل فيها الفتن كما سألتِ، فلا نعلم بلاداً اليوم تخلو من شيء من هذه الفتن التي نراها ونسمع عنها، وأنت -بحسب بيانات السؤال- في بلدة من أحسن البلاد التي فيها الشعائر قائمة والدين محفوظ، -ولله الحمد- فنسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياك لكل خير، وأن يجنبنا وإيَّاك كل شر ومكروه.

والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً