الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

والدي يتهم والدتي بالخيانة فيراقبها ويفتعل المشاكل حولها، فما الحل؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

دكتورنا الفاضل: أتوجه إليك بهذه الاستشارة طمعاً في توجيهكم الطبي والعلمي بخصوص حالة والدي التي أصبحت تؤرق العائلة بأكملها، وتتسبب في معاناة شديدة لوالدتي وجميع الأبناء.

عمر الوالد: 66 عاماً (متقاعد حالياً)، عمر الوالدة: 59 عاماً (ما زالت تعمل معلمة)، طبيعة الوالدين: كلاهما مشهود له بالخلق الطيب، والتدين، والسمعة الحسنة طوال حياتهما، وبدأت أعراض المشكلة تدريجياً منذ حوالي 4 سنوات، وتتصاعد بشكل مستمر.

التوصيف الطبي للأعراض والسلوكيات: شكوك واهية وأفكار ضلالية (Delusions): بدأ والدي يتهم والدتي بالخيانة، وإقامة علاقة مع أحد الجيران، هذه الشكوك ليس لها أي أساس من الصحة، ولا يملك عليها أي دليل ملموس، بل هي من نسج خياله بالكامل.

اليقين التام وعدم القابلية للمناقشة: يمتلك قناعة ويقيناً بنسبة 100% لا يتزعزع، ويرفض التراجع عن أفكاره مهما قدمنا له من أدلة، ومهما أقسمت له والدتي (حتى أنها وضعت يدها على المصحف الشريف ولم يصدقها).

سلوكيات المراقبة والتحكم (Paranoia): تطور الأمر إلى ملاحقتها ومراقبتها أثناء ذهابها للمدرسة، وقفل الباب عليها بالمفتاح، ومراقبة هاتفها ومسح كل محتوياته، كما يتهمها بتلميحات غير أخلاقية لمجرد خروجها لشرفة المنزل لنشر الغسيل.

توسيع دائرة المشاكل: قام بنقل هذه الاتهامات لأهل والدتي (أختها وأخيها)، ومؤخراً قام بافتعال مشكلة مباشرة مع الجار الذي يتهمه بها.

التقلب والنسيان القصير: في بعض الأحيان يهدأ لمدة يومين بعد محاولات التهدئة والاعتذار منه (لمجرد تسيير الأمور)، لكنه يعود سريعاً لنفس الأفكار وبنفس الحدة.

الاستبصار المفقود ورفض العلاج: عند مواجهته ومحاولة إقناعه بزيارة طبيب نفسي، غضب بشدة، وقاطعني، واعتبر أننا نتهمه بالخرف والجنون، وهو يرى نفسه سليماً تماماً.

الوضع الحالي: الوضع في تصاعد مستمر، والوالد أصبح يصرح بأنه لا يريد العيش معها، ويطالبها بعدم إخبار الأبناء بما يدور بينهما، وإذا تدخلنا يتهمها بأنها تحاول إفساد علاقته بأولاده.

ملاحظة هامة: الوالد في بقية جوانب الحياة شخص طبيعي وملتزم دينياً، والمشكلة محصورة تماماً في هذه الفكرة التشكيكية تجاه الوالدة.

الوالد لا يعاني من أي أمراض أخرى -الحمد لله-، ولكن أمي لم تعد تستطيع التحمل، وكذلك أبي يريد طلاقها.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ Moataz حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكر لك -أخي الكريم- حرصك على بر والديك، واهتمامك بمحاولة إنقاذ الأسرة من هذه الأزمة، وسعيك للبحث عن حل علمي وشرعي لما يمر به والدك ووالدتك، ولا شك أن ما تقوم به من محاولة الإصلاح بينهما، ورعاية والدتك، والوقوف بجانبها في هذه الظروف الصعبة من البر والإحسان المأجور عليه بإذن الله.

ومن خلال ما ذكرته في استشارتك؛ فإن ما يلفت الانتباه أن هذه الاتهامات الموجهة إلى الوالدة جاءت بعد سنوات طويلة من العشرة الزوجية، والسمعة الطيبة، والاستقامة المعروفة عنها، بل وصلت إلى اتهامها في عرضها وشرفها دون أي دليل أو قرينة معتبرة، واستمرت رغم قسمها على كتاب الله تعالى، ورغم عدم وجود أي شواهد واقعية تؤيد تلك الشكوك.

ولا يخفى أن القذف في العرض، واتهام المسلم أو المسلمة بالفاحشة بغير بينة من أعظم الذنوب وأشدها خطراً، قال الله تعالى: (لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء)، ولذلك فإن هذه الاتهامات لا يجوز التساهل معها شرعاً ولا اجتماعياً.

ومن الناحية النفسية، فإن الأعراض التي وصفتها لا تبدو مجرد غيرة زوجية عادية، أو سوء تفاهم أسري، وإنما تشبه إلى حد كبير ما يعرف بالضلالات الاضطهادية، أو الضلالات الزوجية، وهي اعتقادات راسخة يقتنع بها الشخص اقتناعاً كاملاً رغم عدم وجود أي دليل عليها، ويرفض مناقشتها أو مراجعتها مهما قُدمت له من براهين أو تفسيرات منطقية.

كما أن استمرار الفكرة لعدة سنوات، وتوسعها لتشمل مراقبة الوالدة وملاحقتها وتفتيش هاتفها، ومواجهة الجار، ونقل الاتهامات إلى الأقارب، مع اليقين الكامل بصحة هذه الأفكار؛ كلها مؤشرات تجعل الحاجة إلى التقييم النفسي المتخصص أمراً ضرورياً.

وقد يلاحظ الأبناء أحياناً أن المريض يبدو طبيعياً في معظم جوانب حياته، ومتديناً، وذا علاقات اجتماعية جيدة؛ مما يجعلهم يستبعدون وجود مرض نفسي، لكن الواقع أن بعض الاضطرابات الضلالية قد تكون محصورة في فكرة أو موضوع معين، بينما يظل الشخص محتفظاً بقدراته العقلية والاجتماعية في بقية جوانب حياته، ولذلك فإن تدينه أو حسن تعامله مع الآخرين لا ينفي احتمال وجود اضطراب نفسي يحتاج إلى علاج.

كما أن رفض والدك لتدخل الآخرين، وحرصه على ألا تصل الخلافات إلى الأبناء، لا يعني عدم وجود المشكلة، بل قد يزيد العبء على الوالدة التي أصبحت تتحمل وحدها هذه الاتهامات والضغوط النفسية المتكررة.

والتحدي الأكبر هنا أن والدك لا يبدو مستبصراً بطبيعة ما يعانيه، ويرفض فكرة مراجعة الطبيب النفسي؛ لأنه يفسر ذلك على أنه اتهام له بالجنون أو الخرف، بينما الواقع أن كثيراً من المرضى الذين يعانون من الضلالات لا يدركون أن أفكارهم غير صحيحة، ولذلك يقاومون العلاج في البداية.

ولهذا ننصح بعدم الدخول معه في مناقشات طويلة لإثبات براءة الوالدة؛ لأن المشكلة ليست في نقص الأدلة، وإنما في طبيعة الفكرة الضلالية نفسها، فوالدتك أقسمت له على المصحف، ولم يؤثر ذلك في قناعته؛ مما يدل على أن القضية تجاوزت دائرة الحوار المنطقي المعتاد.

ومن المهم السعي إلى عرضه على طبيب نفسي بطريقة غير مباشرة إذا أمكن، كأن يكون ذلك من خلال شخص يحترمه ويثق به من الأقارب، أو الأصدقاء، أو أهل العلم الذين يقبل نصحهم.

وقد يكون من المناسب التركيز عند إقناعه على ما يعانيه من توتر وانشغال وقلق واضطراب في حياته الأسرية، بدلاً من الحديث المباشر عن المرض النفسي.

ونود التأكيد على أن التدخل الطبي المتخصص أصبح ضرورة في هذه المرحلة؛ لأن العلاجات الدوائية والنفسية المستخدمة في مثل هذه الحالات قد تساعد بإذن الله على تخفيف هذه الضلالات والسيطرة عليها وفق ما يراه الطبيب المختص بعد التقييم المباشر.

وفي المقابل، تحتاج الوالدة إلى دعم نفسي وأسري مستمر، وإشعارها بأن ما تتعرض له ليس نتيجة تقصير منها، وإنما هو على الأرجح انعكاس لاضطراب نفسي يمر به الوالد.

كما ينبغي القرب منها ومساندتها، وعدم تركها تواجه هذه الضغوط وحدها، خاصة في هذه المرحلة العمرية التي تحتاج فيها إلى الاستقرار والطمأنينة أكثر من أي وقت مضى.

كذلك من المهم حماية الوالدة من الملاحقات والاتهامات المستمرة قدر الإمكان، ومنع تفاقم المشكلات مع الجيران أو الأقارب، والعمل على احتواء الموقف بحكمة قبل أن تتسع دائرة الأضرار الأسرية والاجتماعية.

وننصحكم بمحاولة تطبيق النصائح العملية التالية:

- الاستمرار في بر الوالد والإحسان إليه، وعدم الدخول معه في صدامات مباشرة.

- دعم الوالدة نفسياً والوقوف بجانبها، وعدم تركها تتحمل الأزمة وحدها.

- البحث عن شخصية مؤثرة يثق بها الوالد لإقناعه بمراجعة طبيب نفسي.

- عدم مجاراة الاتهامات أو الدخول في تحقيقات متكررة حولها.

- محاولة توثيق الأعراض وتطورها لعرضها على الطبيب عند الحاجة.

- التدخل السريع إذا تطورت الاتهامات إلى تهديدات، أو تصرفات قد تسبب ضرراً للوالدة أو للآخرين.

- الإكثار من الدعاء، والاستعانة بالله تعالى، مع الأخذ بالأسباب العلاجية المتاحة.

ونسأل الله تعالى أن يشفي والدكم شفاءً تاماً، وأن يشرح صدره للعلاج، وأن يحفظ والدتكم من كل سوء، وأن يعيد إلى أسرتكم السكينة والمودة والاستقرار.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً