الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

يمدحون زهد السابقين وعلو همتهم ويقعون في فعل المباح..هل من تعليق؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كثيرًا ما أقرأ عن السلف الصالح، وبالأخص من عُرف منهم بالهمة العالية والزهد والعبادة، أنهم كانوا يترفعون عن كثير من المباحات، سواءً في صغرهم أو كبرهم؛ مثل ترك اللعب مع الأقران، وقلة الكلام، أو مخالطة الناس، وقلة شراء الملابس أو تجديدها، وعدم التوسع في تأثيث البيوت وتحسينها، وغير ذلك من الأمور المباحة.

وفي المقابل، كثيرًا ما أسمع في زماننا أن ترويح النفس واللعب المباح أمر مطلوب ولا بد منه، وأن شراء الملابس الحسنة، وتحسين المسكن، ونحو ذلك يدخل في إظهار نعمة الله تعالى، ما دام الإنسان بعيدًا عن الإسراف والمحرمات، وأن الدين لا يعني ترك اللهو والحياة.

لكن ما يشكل عليّ أن القائلين بهذا إذا ذكروا شخصًا من السلف يزهد في الدنيا ويترفع عن كثير من المباحات، أثنوا عليه ومدحوا زهده وعلو همته، فلم أعد أفهم ما الضابط في هذا الباب.

وأنا في الواقع أرى كثيرًا من الشباب يستعملون هذه المباحات بتوسع وانفتاح؛ فعلى سبيل المثال قد يكون لدى الواحد منهم أربع أو خمس قطع من الملابس ذات جودة عالية، ويأكلون في المطاعم، ويخرجون ويستمتعون ببعض وسائل الترفيه المباحة، ونحو ذلك، ومع ذلك أراهم -فيما أحسبهم والله حسيبهم- على صلاح وتقوى وعبادة عظيمة، وحقا أغبطهم على ذلك جدًا، وأريد أن أكون مثلهم في الصلاح، لكن لا أعلم إن كان هذا المباح الذي يستمتعون به يليق بالمسلم الذي يريد أن يكون من المحسنين، ومن أهل القرآن.

وللتنبيه: جميع الأمثلة التي ذكرتها من اللعب واللباس والطعام، وتأثيث البيت ونحو ذلك أقصد بها الأمور المباحة والمنضبطة بالشرع، ولا أقصد الألعاب أو الملابس أو الأطعمة المحرمة، ولا الإسراف والتفاخر، ونحو ذلك.

فأرجو منكم بيان الضابط في هذه المسألة، فأخشى أن يكون هذا من انفتاح الدنيا عليّ، وتغير المبدأ الذي كنت عليه من تَركي لكثيٍر من المباحات، أو أن يكون من وساوس الشيطان ليثقل علي الأمر.

وهل هناك مصادر أستطيع أن أستزيد بها في هذا الموضوع؟

وجزاكم الله خيرًا، وبارك فيكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ المقداد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع، وعلو همتك للاقتداء بالسلف الصالحين، والاهتداء بهديهم، ونسأل الله تعالى أن يزيدك هدىً وتوفيقًا وصلاحًا.

وما ذكرته -أيها الحبيب- يجمع بين أمرين صحيحين، ولكن الخلط بينهما هو الذي سبب لك الإشكال:

فالزهد في الدنيا شيء، وتحريم المباحات أو ذم الاستمتاع بها شيء آخر؛ الزهد أمر محمود مطلوب، وتعريفه ببساطة: "أن تكون الدنيا في يدك لا في قلبك"، هكذا عرفه العلماء المحققون، أَي أن يستمتع الإنسان بالدنيا إذا رزق شيئًا منها، ولكن قلبه معلق بالله -تبارك وتعالى-، مترفع عن التعلق بهذه الدنيا.

والسلف لم يكونوا على درجة واحدة في ترك المباحات؛ فمنهم من كان شديد الزهد، قليل التوسع في الدنيا، ومنهم من كان يلبس الملابس الحسنة، ويأكل المآكل الطيبة، ويستعمل ما أباح الله له، ومع هذا كله؛ له حظ كبير من صلاح القلب وعلو الهمة.

والنبي ﷺ سيد الزهاد، وإمام العباد، وقدوة لكل مقتدٍ في الخير، وقد جمع -عليه الصلاة والسلام- في شخصيته الكريمة الجانبين معًا؛ فهو القائل ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ»، وهو القائل: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا فِي غَيْرِ مَخِيلَةٍ وَلاَ إِسْرَافٍ»، وقبل ذلك قال الله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ}.

ولذلك: امتلاك الإنسان لملابس جيدة، وتناوله لأطعمة لذيذة، وتحسينه لبيته أو لمنظره، وترفيهيه عن نفسه بالمباح؛ كل ذلك لا ينافي الصلاح، والتقوى، وعلو الهمة.

والضابط هو ما بدأنا به الكلام: أن الزهد ليس هو أن تترك المباح، وإنما الزهد ألَّا يكون المباح مالكًا لقلبك، وألَّا يشغلك هذا المباح عما هو أهم وأولى بالاشتغال.

وأنت ترى في حياتنا العملية نماذج تتوفر فيها هذه المواصفات، وقد وصفت أنت بنفسك أنك رأيت شبابًا يستمتعون بالمباحات، ومع ذلك تراهم من أهل العبادة والصلاح، فهذه هي في الحقيقة الصورة الجميلة التي ينبغي أن تزيل عنك الإشكال: أن كمال المسلم وكمال دينه ليس في تعذيب نفسه، وإنما في أن يُؤدِّي حقوق الله تعالى وحقوق العباد، وهو مع ذلك ينتفع بما أباح الله له.

أمَّا إذا وجدنا أناسًا يتركون بعض المباحات رغبةً في التقلُّل من الدنيا، وتفرغًا للعبادة؛ فهذا باب من أبواب الزهد المشروع إذا لم يعتقد الإنسان أن ما تركه حرام، أو أن من استعمله مذموم، فالإنسان قد يختار لنفسه التقشف، ولكنه لا يُلزم به غيره، والإنسان ينبغي له أن يفعل ما هو صالح له، فما يصلح لزيد قد لا يصلح لعمرو؛ فالإنسان طبيب قلبه.

ولكن الله تعالى في شرعه لنا؛ شرع لنا شرعًا سهلًا سمحًا، ورضي منا بأن نؤدي حقوق الله وحقوق العباد، وأن نستمتع بالطيبات، ما دامت هذه الطيبات لا تسيطر على قلوبنا ولا تفسدها.

وبهذا يتبيَّن لك -أيها الحبيب- أن الإنسان ينبغي له أن يسأل نفسه أسئلةً قبل أن يمارس الشيء المباح:

• هل هذا مباحٌ فعلاً؟
• هل أنا إذا أنفقت فيه؛ أنفق فيه باعتدال؟
• هل يؤدي إلى شيء من المحرمات؛ كالإسراف، أو المخيلة والمباهة؟
• هل يشغلني عن واجب؛ كالصلاة والواجبات الأخرى؟
• هل أصبح قلبي متعلِّقًا به؛ بحيث أحزن لفقده، وأفرح به فرحًا يُطغي إذا حصل لي؟

هذه الأسئلة هي التي تفرق بين الإنسان العابد الزاهد القائم بحدود الله تعالى، وبين الإنسان المفرط الذي وقع فيما يُذَمُّ عليه، وينبغي له أن يتدارك نفسه ويصحح مساره.

نرجو بهذا أن تكون الأمور قد اتضحت لديك، ونوصيك -أيها الحبيب- بأن تقرأ كتب الوعظ والسلوك للعلماء المحققين المتوسطين؛ مثل كلمات ابن القيم -رحمه الله تعالى- في "مدارج السالكين"، فقد تكلَّم عن الزهد كلامًا جميلًا رائعًا، وكذلك غيره من العلماء؛ كـ "مختصر منهاج القاصدين" لابن قدامة، ونحوه.

ولكن مع ذلك؛ ننصحك بأن لا تجعل من هذه القراءة بابًا جديدًا للتشديد على نفسك، وإنما لتعرف فقط الحدود التي ينبغي للإنسان أن يقف عندها، والمسار الصحيح الذي ينبغي للإنسان أن يسلكه.

نسأل الله أن يوفقك لكل خير.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً