الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مدخولي لا يكفي مصروفات العائلة وأصبحت مدينًا بدين كبير، فماذا أفعل؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا طالب جامعيّ، أعيش مع والدتي وأخي الصغير، وبسبب طلاق والدتي أصبحت أنا المسؤول عنهما، وقد بحثت عن عمل، ورزقني الله بعمل في معمل، ولكنَّ المرتبَ يكفي الإيجار فقط، فبحثت عن عمل إضافيّ، ووجدت -والحمد لله- عملاً كعامل توصيل، وكان ذلك يكفي المصاريف اليوميةَ مع الإيجار بالكاد.

وبسبب بعض الظروف، أصبحت مديناً بدينٍ كبيرٍ نسبياً، ولا أستطيع حتى توفير بعض النقود لسداد الديون، والآن بدأت الدراسةُ، ولا أعرف كيف سأوفق بين العمل (الأول والثاني) والجامعة والدراسة؟ ولا أعرف حتى كيف سأسدد مصاريف دراستي الجامعية، أو مصاريف أخي الصغير، فضلاً عن الديون المتراكمة، والمرضِ المنتشر في عائلتي؛ إذ لا أستطيع حتى الذهاب إلى طبيب، أو شراء العلاجات المناسبة.

حقيقة لا أعرف ماذا أفعل، أنا في حيرة من أمري، وهل الحلّ أن أصبر فقط؟ فكلما صبرت، خرجت من بلاء إلى بلاء آخر!

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ معاذ حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أخي الفاضل- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يلهمنا وإياك السداد والرشد في القول والعمل، وأسأل الله أن يفرج همك، ويقضي دينك، ويشفي والدتك وأخاك، وأن يفتح لك أبواب رزقه وفضله من حيث لا تحتسب.

أخي الغالي، تأمل في قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ما يُصيبُ المُسلِمَ مِن نَصَبٍ ولا وَصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حُزنٍ، ولا أذًى ولا غَمٍّ، حتى الشوكةِ يُشاكُها، إلا كفَّر اللهُ بها من خطاياه)، فأنت مأجور -بإذن الله- على صبرك، واحتسابك، ومأجور كذلك على سعيك، وتعبك في تحصيل الرزق الحلال، والقيام على أسرتك.

فأحسن الظن بالله تعالى، ولا تفتح بابًا يدخل منه الشيطان ليشعرك باليأس والعجز، ثم يوقعك في القنوط من فضل الله ورحمته، وما يصيب المؤمن من شدة ومعاناة قد يكون بلاءً وامتحانًا، ولكنه تيقن أنه ليس النهاية؛ فالبلاء له عاقبة بقدر الصبر والاحتساب والتقوى، وقد يكون وراءه من الخير والفرج ما لا يعلمه إلا الله، قال سبحانه ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، فلا تظن أن ما تمر به دليل على أن الله تركك، أو أنك سيئ الحظ.

أخي العزيز، الصبر الذي أمرنا الله به ليس أن تتحمل كل شيء دون أي دور منك، وإنما أن تصبر مع الأخذ بالأسباب، وأنت بالفعل -حسب ما ذكرت- تبذل أسبابًا كثيرة؛ تعمل، وتعول أسرتك، وتدرس، وهذا كله أمر عظيم تؤجر عليه -إن شاء الله-، وما عليك إلا أن تحسن الظن بالله تعالى، وتلزم نفسك التقوى والصبر والاحتساب، والله تعالى يأتي بالفرج من حيث لا تحتسب.

ومن الأسباب التي يمكن أن تساعدك في حالتك:

أولاً: رتب أولوياتك بحسب الضرورة؛ فالعلاج، والطعام، والسكن، ثم الدراسة، والعمل بحسب استطاعتك.
ثانياً: إن كان الجمع بين العملين والدراسة سيؤدي بك إلى ترك الجامعة أو التوقف، فابحث عن عمل أقل ساعات، أو تواصل مع الجامعة للاستفادة من منحة، أو إعفاء، أو صندوق مساعدة للطلاب، أو عمل بساعات جزئية داخل الجامعة.
ثالثاً: من المهم جدًا أن توسّع دائرة علاقاتك الاجتماعية، ومن تستعين بهم من أهل الخير؛ فمثلاً تواصل مع إمام المسجد، ومن تثق بدينه وخلقه، واشرح له حالك؛ فلعل الله يجعل على يديه من يعينك، أو يدلك على جهة تساعدك، ولا تستحيي من طلب المساعدة فيما تحتاج إليه، خاصة مع الديون، والمرض، وضيق الحال.
رابعاً: حاول كذلك البحث عن عمل إضافي لا يتطلب دوامًا طويلًا؛ كالأعمال التي يمكن أداؤها عبر الإنترنت، أو الأعمال البسيطة بحسب مهاراتك؛ فقد يكون فيها ما يعينك على الجمع بين الدراسة والعمل، ولا تدخل في ديون جديدة إلا عند الضرورة؛ حتى لا تتسع دائرة المشكلة عليك.

وأخيرًا: لا تجعل شدة ما تمر به تمنعك من الدعاء وحسن الظن بالله، ومن الدعاء النافع: "اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك" ، و "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، وضَلَعِ الدين وغَلَبَةِ الرجال "، وأكثر من الاستغفار، والاجتهاد في الطاعات؛ فهي من أعظم ما يعين على تثبيت النفس في الشداد.

وفقك الله، ويسر أمرك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً