الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف أستعيد ثقتي بنفسي بعد تخرجي وبقائي بلا عمل؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ممتنة بشدة لهذه الصفحة الكريمة.

أنا امرأة، في دراستي كنت من الأوائل -والحمد لله-، ودرست تخصص الصيدلة، وتخرجت، وحاليًا أنا عاطلة، وهذا أثر جدًّا في شخصي، وحتى انتقادات بنات أسرتي من عمومتي، حتى أصبح يُضرب بي المثل في الأشخاص الذين درسوا بكل جهد، وأصبحوا بيتيين.

أنا أنزعج بشدة، ولكنني لا أوضح ذلك للناس، حتى شعرت أن ثقتي بنفسي تزعزعت مؤخرًا بسبب هذا الموضوع، حتى أصبحوا يتصلون بي ليخبروني عن إنجازاتهم وعطلهم، وأين قضوها، وكأنني أخطأت في شيء ما، أو آذيتهم في أمر ما.

ما يؤلمني حقًّا حاليًا هو تأثري وقلة ثقتي بنفسي، خصوصًا أنني أصبحت أقارن حياتي ووضع الناس، سواء على مواقع التواصل أو على الواقع.

وشكرًا جزيلًا لكم، تقبلوا مني فائق الاحترام والتقدير.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ أسماء، حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

شكرًا لكِ على ثقتكِ بموقع إسلام ويب، ونرجو دائمًا أن نكون عند حسن ظن متابعينا.

أختي الكريمة، أتفهم تمامًا حالة الإحباط التي يمر بها أي شخص يقضي جزءًا من حياته في أمر ما، ثم يجد أنه غير مستفيد منه، فينتابه شعور بالندم على كل ما فات؛ ومع ذلك فإن الأمر يحتاج أن نتناوله من خلال النقاط التالية:

• أولًا: من المهم كذلك ألا نحصر أبواب النجاح في باب واحد، إن أُغلق في وجهنا أصابنا الإحباط والأسى، بل على العكس تمامًا؛ فغالبًا ما يكون إقفال باب ما سببًا في فتح أبواب كثيرة هي أفضل وأحسن من الباب المغلق، وكما جاء في الأثر: «مَا أَغْلَقَ اللَّهُ بَابًا إِلَّا وَفَتَحَ عِوَضًا عَنْهُ أَبْوَابًا».

ولذلك: حاولي قدر الإمكان أن تتجاوزي هذه المشكلة، لا أن تعيشي على أطلالها، فإذا كنتِ بالفعل تشعرين بأن الماضي قد ضاع منكِ بسبب دراستكِ فيما ترين أنكِ لم تستفيدي منه، فلا تضيفي له المستقبل كذلك، بل عوضي بما هو آتٍ، ولعلكِ تفكرين في أبواب أخرى قد لا ترتبط بالجانب الأكاديمي الذي درستِه، فلا تجعلي مجال دراستكِ المحدد سجنًا لكِ عن الانطلاق إلى مجالات أخرى.

• ثانيًا: من المهم لكِ -أختي الكريمة- أن تجعلي مرجعيتكِ في تقييم نفسكِ والحكم عليها مرجعية داخلية، لا مرجعية خارجية، بمعنى أن تكون مرجعيتكِ راجعة لكِ أنتِ، وليست مرهونة بذم الناس أو حتى مدحهم.

لا شك أن هناك تأثرًا طبيعيًا يصيبنا من وراء آراء الآخرين من حولنا، لكن لا ينبغي إطلاقًا أن يتضخم هذا الأمر لنصبح في النهاية أسرى لأحكام الناس علينا؛ فالناس غالبًا لا تكون منصفة في نظرتها لبعضها البعض، وإنما تنطلق من منطلقات شخصية ذاتية، فتحكمها المصلحة الذاتية، أو دوافع الحب والكره، أو مشاعر الغيرة والحسد، وكل ذلك يؤثر في مصداقية الأحكام التي يطلقونها، ويقلل من حجم الاهتمام الذي ينبغي أن نوليه لما يقولونه!

تخيلي معي -أختي- أنكِ قد وجدتِ عملًا في الصيدلة، فهل تظنين أن باب النقد لكِ قد انتهى؟ إن الأمر -كما ذكرت لكِ سابقًا- لا يرتبط بكِ أنتِ، وإنما يرتبط بهم هم، بالحالة النفسية والأخلاقية والموضوعية التي يتمتعون بها.

• ثالثًا: التقييم الحقيقي لأي إنسان لا تتحكم به لقطة عابرة من حياته، وإنما مسيرة زمنية ممتدة، وإذا ما أردتِ تطبيق ذلك عليكِ، فستجدين أنكِ كنتِ متميزة في دراستكِ منذ الصغر، كما أنكِ درستِ في تخصص مميز، وهذا كله شاهد على تميز زمني ممتد، فهل ينسف ذلك كله إخفاقكِ في الحصول على وظيفة مناسبة مع تخصصكِ؟! وهل مسؤولية الحصول على الوظيفة تقع عليكِ، أم أنه أمر تتحكم به عوامل خارجية كثيرة مرتبطة بالدولة والواقع الاقتصادي فيها، وقبل ذلك هو رزق مكتوب؟

• رابعًا: من سلبيات الواقع الذي تعيش فيه الكثير من بلداننا أنه سلب المرأة خصوصيتها التي خصها الله بها، وجعلها كالرجل في مسيرتها الباحثة عن الوظيفة، والقائمة على نفسها في شؤون النفقة، والمناضلة لشق طريقها بنفسها في الحياة، وهي في الحقيقة أدوار لم تكلفها بها الشريعة، وإنما أراحتها منها لتحقيق أهداف وأدوار أخرى أكثر ملاءمة لطبيعتها الأنثوية.

ومن الجيد أن تفكري في هذه الأدوار التي قد تنسين معها الكثير من معاناتكِ فيما لم توفقي له من الأدوار السابقة؛ فالحياة -أختي الكريمة- أكبر بكثير من وظيفة ما، إنها رسالة، وانتماء، وأهداف سامية، وهي في النهاية ممر لمقر أبدي، فاحرصي على أن تري المشهد بكماله، لا أن تغرقي في جانب جزئي منه.

• خامسًا: احرصي ألا يوقعكِ الشيطان في حبائل الهم والحزن، ولا يدخلكِ في أبواب الندم والحسرة؛ فكل ذلك من الأسباب التي تؤدي إلى ضعفكِ وعجزكِ، وهو هدف شيطاني أصيل كان يستعيذ منه رسول الله ﷺ كثيرًا؛ حيث يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْفَقْرِ، وَغَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ»، بينما يريدكِ الإسلام قوية، فاعلة، مؤمنة، واثقة؛ فـ«الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ».

• سادسًا: إن كلام الآخرين يتعبك لأن هناك مساحة من الفراغ في حياتك، والمشغول بشيء لن يلتفت لكلام الناس، فأشغلي نفسك بما ينفعك في الدنيا والآخرة، في هذه المرحلة من الفراغ الذي تجدينه، انظري ما يسعدك، وأرى أنه من الأنفع لك أن تشغلي نفسك في جانبين:

الأول: تطوير مهاراتك في تخصصك، بأن تحضري دورات، أو مشاركات، أو دراسة الماجستير في تخصصك؛ وهذا سيساعدك في حفظ وقتك، وحتى في ردك على الآخرين، تخبرينهم بأنك تواصلين تخصصك.

الثاني: دراسة العلم الشرعي، وحفظ كتاب الله، فلو منّ الله عليك بحفظ كتابه، وسهل لك فهم معانيه، من أسعد منك؟ وفي نفس الوقت تطلبين العلم الشرعي، وتتقربين إلى الله به، ومما يساعدك في ذلك انضمامك لبعض الأكاديميات المجانية الموجودة على الانترنت، مثل: أكاديمية زاد، وأكاديمية التعليم المفتوح وغيرها.

فتكونين بذلك وفقت في الأمرين، كسبت أجر الآخرة، وتقدمت إلى ربك، وفي نفس الوقت عالجت مشكلة الوقت والفراغ.

وفقكِ الله لكل خير، وصرف عنكِ شر كل ذي شر.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً