الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أتخيل الوظيفة والخطبة قبل حدوثهما ثم لا يكتمل الأمر!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة، عمري 23 سنة، وقد أنهيت دراستي الجامعية -ولله الحمد-، لدي طموحات ورغبات كثيرة أتمنى تحقيقها، ولكن ما أتمنى فعله لا يتحقق؛ فمثلاً، إذا عُرضت عليَّ فرصة كالوظيفة، أو الخطبة، أو أي أمر جديد في حياتي، أشرع في تخيل نفسي داخله.

على سبيل المثال، تقدم لي شاب للخطبة فوافقت عليه، وكنت أخطط لكل تفاصيل حياتنا، ومعيشتنا، وفي النهاية لم تتم الخطبة، وكلما تخيلت نفسي في موقف ما، لا يقع ولا يتحقق.

الآن، أنا متقدمة لوظيفة حكومية، وأتخيل نفسي فيها، فأقول لنفسي: "إذاً لن تتم، طالما أنني تخيلت نفسي فيها!".

لا أعرف كيف أوقف عقلي عن التخيل عندما يحدث لي أمر ما، ولا أعرف أهو ذنب أرتكبه ولذلك لا يكتب الله لي تحقيق تلك الأمور، أم أنها كانت شراً لي فصرفها الله عني؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أسماء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أسأل الله تعالى أن يطمئن قلبك، ويفتح لك أبواب الخير، ويرزقك من فضله ما تقر به عينك، وأشكر فيك حرصك على مراجعة نفسك وخوفك من أن يكون في تصرفاتك ما يحجب عنك الخير؛ فهذا يدل على قلب يريد رضا الله تعالى ومحبوباته.

لكن اطمئنّي؛ فمجرد تخيلك للزواج، أو الوظيفة، أو أي مستقبل تتمنينه ليس ذنبًا، وليس سببًا شرعيًا لعدم تحقق ما تتمنين، فلا تربطي بين الأمرين؛ فالإنسان بطبيعته يتخيل المستقبل عندما يرغب في شيء، والمشكلة ليست في الخيال نفسه، وإنما في أن يتحول إلى اعتقاد بأن أفكارك تتحكم في الأقدار، قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:216]؛ فعدم إتمام الخطبة السابقة لا يعني أنك أفسدتها بالتخيل، وإنما قد يكون الله تعالى صرفها عنك لحكمة لا تعلمينها.

وكذلك الوظيفة التي تنتظرينها: لا تقولي لنفسك: "تخيلتها، إذاً لن تحصل"؛ فهذا ربط لا دليل عليه، وقد يتحول إلى وسواس يرهقك، والنبي ﷺ قال: "إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم" متفق عليه. فالأفكار العابرة لا تؤاخذين عليها، والحل العملي أن تتعاملي مع كل أمنية بقاعدة بسيطة: (تمنٍّ، ثم سعي، ثم دعاء، ثم تسليم) تمني ما تحبين، وابذلي السبب الواقعي لتحقيقه، وقدمي على الوظيفة، واستعدي لها، ثم ادعي الله تعالى أن يكتبها لك إن كانت خيرًا، وبعد ذلك اتركي النتيجة له.

وإذا بدأ عقلك في رسم تفاصيل حياتك الجديدة، فلا تحاولي قمع التخيل بعنف، ولا تراقبي نفسك: هل تخيلت؟ كم مرة تخيلت؟ هل أفسدت الأمر؟؛ لأن مقاومة الفكرة بهذه الطريقة قد تزيدها، بل قولي بهدوء: "هذه مجرد فكرة، وليست علامة على المستقبل، سأفعل ما أستطيع، وأترك الأمر لله تعالى"، ثم عودي إلى عملك الحالي، وتذكري قول النبي ﷺ لابن عباس -رضي الله عنهما-: "واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك" رواه الترمذي.

ومن المهم أيضًا ألا تجعلي تحقق أمنية معينة شرطًا لسعادتك؛ قولي: "يا رب أتمنى هذه الوظيفة، فإن كانت خيرًا لي فاكتبها لي، وإن لم تكن فارزقني خيرًا منها وارضني به"، بهذه الطريقة تنتقلين من محاولة التحكم في المستقبل إلى الثقة بالله تعالى مع الأخذ بالأسباب.

لا تحاربي خيالك، وصححي علاقتك به، ولا تفسري كل عدم تحقق بأنه عقوبة، أو بسبب فكرة راودتك؛ فالأقدار بيد الله تعالى، ودورك أن تسعي، وتدعي، وتستبشري، ثم ترضي بما يختاره الله تعالى لك.

أسأل الله أن يرزقك الزوج الصالح، والعمل المبارك، وأن يحقق لك من أمانيك ما فيه خير دينك ودنياك، وأن يرزقك قلبًا مطمئنًا بأقداره.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً