الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القسم الأول من الفصل الأول من الباب الأول من الجملة الثانية الأوقات الموسعة والمختارة

المسألة الرابعة

[ وقت العشاء ]

اختلفوا من وقت العشاء الآخرة في موضعين : أحدهما : في أوله ، والثاني : في آخره .

أما أوله ، فذهب مالك ، والشافعي ، وجماعة إلى أنه مغيب الحمرة ، وذهب أبو حنيفة إلى أنه مغيب البياض الذي يكون بعد الحمرة .

وسبب اختلافهم في هذه المسألة اشتراك اسم الشفق في لسان العرب فإنه كما أن الفجر في لسانهم فجران كذلك الشفق شفقان : أحمر ، وأبيض ، ومغيب الشفق الأبيض يلزم أن يكون بعده من أول الليل إما بعد الفجر المستدق من آخر الليل : ( أعني الفجر الكاذب ) وإما بعد الفجر الأبيض المستطير ، وتكون الحمرة نظير الحمرة ، فالطوالع إذا أربعة : الفجر الكاذب ، والفجر الصادق ، والأحمر والشمس ، وكذلك [ ص: 84 ] يجب أن تكون الغوارب ، ولذلك ما ذكر عن الخليل من أنه رصد الشفق الأبيض ، فوجده يبقى إلى ثلث الليل - كذب بالقياس والتجربة ، وذلك أنه لا خلاف بينهم أنه قد ثبت في حديث بريدة ، وحديث إمامة جبريل أنه صلى العشاء في اليوم الأول حين غاب الشفق ، وقد رجح الجمهور مذهبهم بما ثبت " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي العشاء عند مغيب القمر في الليلة الثالثة " ورجح أبو حنيفة مذهبه بما ورد في تأخير العشاء واستحباب تأخيره وقوله : " لولا أن أشق على أمتي لأخرت هذه الصلاة إلى نصف الليل " وأما آخر وقتها فاختلفوا فيه على ثلاثة أقوال : قول : إنه ثلث الليل . وقول : إنه نصف الليل . وقول : إنه إلى طلوع الفجر ، وبالأول ( أعني ثلث الليل ) قال الشافعي وأبو حنيفة ، وهو المشهور من مذهب مالك ، وروي عن مالك القول الثاني : ( أعني نصف الليل ) وأما الثالث فقول داود .

وسبب الخلاف في ذلك تعارض الآثار ، ففي حديث إمامة جبريل أنه صلاها بالنبي - عليه الصلاة والسلام - في اليوم الثاني ثلث الليل .

وفي حديث أنس أنه قال : " أخر النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة العشاء إلى نصف الليل " خرجه البخاري .

وروي أيضا من حديث أبي سعيد الخدري ، وأبي هريرة عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أنه قال : " لولا أن أشق على أمتي لأخرت العشاء إلى نصف الليل " وفي حديث أبي قتادة ليس التفريط في النوم إنما التفريط أن تؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى ، فمن ذهب مذهب الترجيح لحديث إمامة جبريل قال : ثلث الليل ، ومن ذهب مذهب الترجيح لحديث أنس قال : شطر الليل .

وأما أهل الظاهر فاعتمدوا حديث أبي قتادة ، وقالوا : هو عام وهو متأخر عن حديث إمامة جبريل ، فهو ناسخ ولو لم يكن ناسخا لكان تعارض الآثار يسقط حكمها ، فيجب أن يصار إلى استصحاب حال الإجماع ، وقد اتفقوا على أن الوقت يخرج لما بعد طلوع الفجر ، واختلفوا فيما قبل ، فإنا روينا عن ابن عباس أن الوقت عنده إلى طلوع الفجر ، فوجب أن يستصحب حكم الوقت ، إلا حيث وقع الاتفاق على خروجه ، وأحسب أنه به قال أبو حنيفة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث