الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                صفحة جزء
                                والحديث الثاني :

                                49 49 حديث عبادة بن الصامت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج يخبر بليلة القدر ، فتلاحى رجلان من المسلمين ، فقال : " إني خرجت لأخبركم بليلة القدر ، وإنه تلاحى فلان وفلان ، فرفعت ، فعسى أن يكون خيرا لكم ، التمسوها في السبع والتسع والخمس " .

                                [ ص: 187 ]

                                التالي السابق


                                [ ص: 187 ] إنما خرج البخاري هذا الحديث في هذا الباب لذكر التلاحي ، والتلاحي قد فسر بالسباب ، وفسر بالاختصام والمماراة من دون سباب .

                                ويؤيد هذا أنه جاء في رواية في " صحيح مسلم " : " فجاء رجلان يحتقان " أي : يطلب كل واحد منهما حقه من الآخر ، ويخاصمه في ذلك .

                                فمن فسره بالسباب احتمل عنده إدخال البخاري للحديث في هذا الباب أن السباب تعجل عقوبته حتى يحرم المسلمون بسببه معرفة بعض ما يحتاجون إليه من مصالح دينهم .

                                وإنما رجا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكون ذلك خيرا ; لأن إبهام ليلة القدر أدعى إلى قيام العشر كله أو أوتاره في طلبها ، فيكون سببا لشدة الاجتهاد وكثرته . ولكن بيان تلك الليلة ومعرفتهم إياها بعينها له مزية على إبهامها ، فرفع ذلك بسبب التلاحي .

                                فدل هذا الحديث على أن الذنوب قد تكون سببا لخفاء بعض معرفة ما يحتاج إليه في الدين .

                                وقال ابن سيرين : ما اختلف في الأهل حتى قتل عثمان .

                                فكلما أحدث الناس ذنوبا أوجب ذلك خفاء بعض أمور دينهم عليهم ، وقد يكون في خفائه رخصة لمن ارتكبه وهو غير عالم بالنهي عنه ; إذ لو علمه ثم ارتكبه لاستحق العقوبة .

                                ومن فسر التلاحي بالاختصام قال : مراد البخاري بإدخاله هذا الحديث في هذا الباب أن التلاحي من غير سباب ليس بفسوق ، ولا يترتب عليه حكم الفسوق ; لأنه كان سببا لما هو خير للمسلمين .

                                [ ص: 188 ] وهذا هو الذي أشار إليه الإسماعيلي ، وفيه نظر ، والله أعلم .

                                ويحتمل أن يكون مراد البخاري أن السباب ليس بمخرج عن الإسلام مع كونه فسوقا ; ولهذا قال في الحديث : " فتلاحى رجلان من المسلمين " ، فسماهما مسلمين مع تلاحيهما .

                                وفي " مسند البزار " من حديث معاذ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " إن أول شيء نهاني عنه ربي بعد عبادة الأوثان شرب الخمر ، وملاحاة الرجال " .

                                وفي إسناده عمرو بن واقد الشامي ، وهو ضعيف جدا .

                                وإنما حرمت الخمر بعد الهجرة بمدة .

                                ولكن رواه الأوزاعي ، عن عروة بن رويم - مرسلا .

                                خرجه أبو داود في " مراسيله " .



                                الخدمات العلمية