الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
( رجل ) غصب من رجل ثوبا ، ومن آخر عصفرا فصبغه به ، ثم حضرا جميعا فقال : أما صاحب العصفر فيأخذه حتى يعطيه عصفرا مثله أو قيمته ; لأن ما غصبه منه صار مستهلكا بفعله ، فإنه كان عين مال قائم بنفسه ، وقد صار وصفا قائما بملك غيره ، فعرفنا أنه صار مستهلكا ، فعلى الغاصب [ ص: 91 ] ضمان مثله أو قيمته إن كان لا يوجد مثله ، والسواد في هذا كغيره عندهم جميعا ; لأن السواد في نفسه مال متقوم ، وإنما هو نقصان في الثوب عند أبي حنيفة ، وإذا ضمن لصاحب العصفر عصفره ملك المضمون . وصار في الحكم كأنه صبغه بعصفر نفسه ، وقد بينا حكم الخيار فيه ، ولو كان غصب الثوب والصبغ من رجل واحد فصبغه به ففي القياس كذلك ; لأنه مستهلك للصبغ بما صنع فيتقرر عليه ضمانه ، ويصير ذلك مملوكا له ، ولكن في الاستحسان لصاحب الثوب هنا أن يأخذ ثوبه ولا يعطي الصباغ شيئا ، ولا يضمنه قيمة صبغه ; لأن ملكه صار وصفا لملكه ، فلا يكون مستهلكا به من هذا الوجه . ولأنه إذا اختار أصل الثوب كان مجيزا لفعله في الانتهاء فيجعل ذلك كالإذن منه في الابتداء ; فلهذا كان له أن يأخذ الثوب إن شاء ، وإن شاء ضمنه الصبغ ; لأنه مستهلك من الوجه الذي قلنا ، وإذا ضمنه كان بمنزلة ما لو صبغ الثوب بصبغ نفسه على ما بينا ، ولو كان الثوب مغصوبا من إنسان ، والصبغ من آخر وصبغه للغاصب ثم لم يقدر عليه ، ففي القياس أن يأخذ صاحب الثوب ثوبه ، ولا يبقى لصاحب الصبغ عليه شيء ; لأن صبغه مستهلك بفعل الغاصب ، وضمانه دين عليه ، وللغاصب على صاحب الثوب قيمة الصبغ إذا أخذ الثوب ، فهذا الرجل وجد مديون مديونه ، فلا سبيل له عليه حتى يحضر خصمه .

وفي الاستحسان إذا أخذ الثوب ضمن له ما زاد الصبغ فيه ; لأن عين ماله قد احتبس عنده ، وإن لم يوجد من جهته صبغ فيه فهو كما لو انصبغ ثوب إنسان بصبغ إنسان ; ولهذا نوجب السعاية في العبد المشترك يعتقه أحدهما ; لأن نصيب الشريك قد احتبس عند العبد ، وإن لم يوجد منه صبغ في ذلك ، وإن شاء صاحب الثوب باعه فضرب هو في الثمن بقيمة ثوبه أبيض ، وصاحب الصبغ بقيمة الصبغ كما لو صبغه الغاصب بصبغ نفسه على ما بينا .

فإن غصب من واحد حنطة ، ومن آخر شعيرا فخلطهما ضمن لكل واحد منهما ما غصب منه ; لأنه تعذر على كل واحد منهما الوصول إلى عين ملكه ، فإن تمييز الحنطة من الشعير متعسر ، والمتعسر كالمتعذر ، والمتعذر كالممتنع ، ولم يبين في الكتاب حكم المخلوط ، فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى المخلوط يصير ملكا للخالط سواء خلط الحنطة بالحنطة أو بالشعير ، وعلى قول أبي يوسف ومحمد لهما الخيار إن شاء أخذا المخلوط فكان مشتركا بينهما بقدر ملكهما ، وإن شاء تركا المخلوط ، وضمن كل واحد منهما الخالط مثل ماله ; لأن عين مال كل واحد منهما باق ، أما في الخلط بالجنس فلأن الشيء يتكثر بجنسه ، وكذلك في الخلط بغير [ ص: 92 ] الجنس إذا كان بحيث يتأتى التمييز في الجملة إلا أنه تعيب ملك كل واحد منهما بعيب الشركة ; فلهذا يثبت لكل واحد منهما حق التضمين إن شاء ، وإن شاء اعتبر بقاء عين الملك حقيقة فيختار الشركة في المخلوط ، وهو نظير غاصب الثوب إذا صبغه على ما بينا وأبو حنيفة يقول : بالخلط صار ملك كل واحد منهما مستهلكا حكما ; لأن المخلوط في الحكم كأنه شيء آخر سوى ما كان قبل الخلط ، ألا ترى أنه يبدل اسم العين ، فقبل ذلك كان يسمى قفيزا ، والآن يسمى كرا ، والمكيل والموزون في حكم شيء واحد ; ولهذا لو وجد ببعضه عيبا لم يرد بالعيب خاصة ، والبعض من الشيء الواحد غير كله ، فعرفنا أن هذا المخلوط حادث بفعل الغاصب حكما فيكون مملوكا له ، ومن ضرورته صيرورة ملك كل واحد منهما مستهلكا حكما ; ولهذا ثبت لكل واحد منهما حق التضمين مع إمكان التمييز في الجملة ، بخلاف الثوب مع الصبغ ، وإذا صار ملك كل واحد منها مستهلكا تقرر الضمان على الغاصب ، وذلك يوجب الملك له في المضمون ، وهذا بخلاف ما إذا حصل الاختلاط من غير صنع أحد ، فإن المخلوط هناك أيضا هالك إلا أنه لا ضامن له فيكون لأقرب الناس إليه ، وهما المالكان قبل الخلط ، ولأن الحكم يضاف إلى المحل عند تعذر إضافته إلى السبب ، ولأن المحل بمعنى الشرط ، والحكم يضاف إلى الشرط وجودا عنده كما يضاف إلى السبب ثبوتا به ، فإذا كان الخلط بفعل آدمي ، وهو سبب صالح لإضافة الملك إليه في المخلوط يصير مضافا إليه ، وعند انعدام الفعل يكون مضافا إلى المحل فلهذا كان المخلوط لهما .

ولو غصب من آخر كتانا فغزله ونسجه فعليه مثله أو قيمته إن كان لا يوجد مثله ، ولا سبيل له على الثوب ، وكذلك إن غصب قطنا فغزله ، ونسجه أو غصب غزلا فنسجه ، وهذا عندنا ، فأما على قول أبي يوسف الآخر ، وهو قول الشافعي رضي الله عنه فلصاحب الكتان والقطن الخيار على نحو ما بينا في الحنطة إذا طحنها ; لأنه لا فرق بين الفصلين في المعنى ، فإن هناك الغاصب فرق الأجزاء المجتمعة بالطحن ، وهنا جمع الأجزاء المتفرقة بالنسج ، فكما لا تبدل العين بتفريق المجتمع فكذلك لا تتبدل بجمع المتفرق ، وهو كما غزل القطن ولم ينسجه ، فإنه لا ينقطع حق صاحب القطن ، ولكن يثبت له الخيار ، ولكنا نقول : الثوب غير الغزل والقطن صورة ومعنى .

أما الصورة فالغزل خيط ممدود ، والثوب مؤلف مركب له طول وعرض ، والدليل على المغايرة تبدل الاسم ، ومن حيث المعنى والحكم الغزل والقطن موزون ، وهو مال الربا ، والثوب مذروع ليس بمال الربا ، وبعد [ ص: 93 ] النسج لا يتصور إعادته إلى الحالة الأولى ، فإذا ثبتت المغايرة بينهما فمن ضرورة حدوث الثاني انعدام الأول لاستحالة أن يكون الشيء الواحد شيئين ، ثم هذا حادث بعمل الغاصب فكان مملوكا له ، والأول صار مستهلكا بعمله فصار ضامنا له ، فأما القطن إذا غزله فالصحيح من الجواب أنه ينقطع حق المالك أيضا ، وإليه أشار في كتاب الدعوى حيث سوى بين القطن إذا غزله ، وبين الغزل إذا نسجه ، ومن أصحابنا رحمهم الله من فرق بينهما فقال : القطن غزل ; لأنه خيوط رقيقة يبدو ذلك لمن أمعن النظر فيه ، ويتحقق ذلك في الإبريسم ، فالغزل إحداث المجاورة بينهما ، وليس بتركيب وتأليف ، وبإحداث المجاورة لا تتبدل العين ; ولهذا بقي موزونا يجري فيه الربا كما كان قبله بخلاف الغزل إذا نسجه .

التالي السابق


الخدمات العلمية