الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي : " ولا على عبد سرق من متاع سيده " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وأما إذا سرق العبد من مال غير سيده ، فإنه يقطع آبقا وغير آبق .

                                                                                                                                            وقال مالك : لا يقطع إن كان آبقا ، وقد مضى الكلام معه .

                                                                                                                                            فأما إذا سرق من مال سيده ، فلا قطع عليه وإن هتك به حرزا .

                                                                                                                                            وقال داود : يقطع : احتجاجا بعموم الآية ، وكما يحد إذا زنا بأمة سيده ، كما يحد إذا زنا بأمة غيره ، وخالف الفقهاء فيه : احتجاجا برواية أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه [ ص: 345 ] قال : " إذا سرق المملوك فبعه ولو بنش والنش : نصف أوقية عشرون درهما ، فأمر ببيعه ولم يأمر بقطعه .

                                                                                                                                            وروى السائب بن يزيد ، عن عبد الله بن عمرو الحضرمي ، أنه جاء بغلام له إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : اقطع هذا فإنه سرق . فقال : ما الذي سرق ؟ فقال : مرآة لامرأتي ، ثمنها ستون درهما . فقال : أرسله فليس عليه قطع ، خادمكم سرق متاعكم .

                                                                                                                                            وروي مثله عن عبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن عمر أنهما منعا من قطع عبد سرق من مال سيده ، وقالا : مالكم سرق مالكم . فصار إجماعا : لأنه لا مخالف لهم .

                                                                                                                                            فإن قيل : فقد خالفهم سيد العبد حين سأل قطعه .

                                                                                                                                            قيل : إنما يؤثر خلاف من كان من أهل الاجتهاد ، ولم يكن سيده منهم ، فلم يعد قوله خلافا .

                                                                                                                                            ولأن نفقة العبد لما كانت مستحقة في مال سيده كانت شبهة له في سقوط قطعه ، كالوالد في مال الولد .

                                                                                                                                            ولأن يد العبد يد لسيده ، فصار ما سرقه غير خارج عن يده فلم يقطع .

                                                                                                                                            ولأن قطع السارق لحفظ مال المالك ، وفي قطع عبده في ماله استهلاك لماله ، فأما زناه بأمة سيده فلا يسقط فيه الحد : لأن الحرز فيه غير معتبر ، وثبوت اليد فيه غير مؤثر ، فخالف بذلك قطع السرقة .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية