الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ رواية أخرى في وقعة الجمل ]

وقد قيل في سبب القتال يوم الجمل غير ما تقدم مع الاتفاق على مسير أصحاب عائشة ونزولهم البصرة والوقعة الأولى مع عثمان بن حنيف وحكيم .

وأما مسير علي وعزل أبي موسى فقيل فيه : إن عليا لما أرسل محمد بن أبي بكر إلى أبي موسى ، وجرى له ما تقدم سار هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى علي بالربذة ، فأعلمه الحال ، فأعاده علي إلى أبي موسى يقول له : أرسل الناس ، فإني لم أولك إلا لتكون من أعواني على الحق . فامتنع أبو موسى ، فكتب هاشم إلى علي : إني قدمت على رجل غال مشاقق ظاهر الشنآن ، وأرسل الكتاب مع المحل بن خليفة الطائي ، فبعث علي : الحسن ابنه ، وعمار بن ياسر يستنفران الناس ، وبعث قرظة بن كعب الأنصاري أميرا ، وكتب معه إلى أبي موسى : إني قد بعثت الحسن وعمارا يستنفران الناس ، وبعثت قرظة بن كعب واليا على الكوفة ، فاعتزل عملنا مذموما مدحورا ، وإن لم تفعل فإني قد أمرته أن ينابذك ، فإن نابذته فظفر بك يقطعك إربا إربا . فلما قدم الكتاب على أبي موسى اعتزل ، واستنفر الحسن الناس ، فنفروا نحو ما تقدم . وسار علي نحو [ ص: 617 ] البصرة ، فقال جون بن قتادة : كنت مع الزبير فجاء فارس يسير فقال : السلام عليك أيها الأمير ، فرد عليه ، فقال : إن هؤلاء القوم قد أتوا مكان كذا وكذا ، فلم أر أرث سلاحا ، ولا أقل عددا ، ولا أرعب قلوبا منهم . ثم انصرف عنه ، وجاء فارس آخر فقال له : إن القوم قد بلغوا مكان كذا وكذا ، فسمعوا بما جمع الله لكم من العدد والعدة ، فخافوا فولوا مدبرين . فقال الزبير : إيها عنك ! فوالله لو لم يجد علي بن أبي طالب إلا العرفج لدب إلينا فيه ، فانصرف .

وجاء فارس ، وقد كادت الخيل تخرج من الرهج ، فقال : هؤلاء القوم قد أتوك ، فلقيت عمارا فقلت له وقال لي . فقال الزبير : إنه ليس فيهم ! فقال الرجل : بلى والله إنه لفيهم . فقال الزبير : والله ما جعله الله فيهم . فقال الرجل : بلى والله . فلما كرر عليه أرسل الزبير رجلين ينظران ، فانطلقا ثم رجعا فقالا : صدق الرجل . فقال الزبير : يا جدع أنفاه ! يا قطع ظهراه ! ثم أخذته رعدة فجعل السلاح ينتفض . قال جون : فقلت ثكلتني أمي ! هذا الذي كنت أريد أن أموت معه أو أعيش ، ما أخذ هذا الأمر إلا لشيء سمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وانصرف جون فاعتزل ، وجاء علي ، فلما تواقف الناس دعا الزبير وطلحة فتواقفوا ، وذكر من أمر الزبير وعوده وتكفيره عن يمينه مثل ما تقدم ، فلما أبوا إلا القتال قال علي : أيكم يأخذ هذا المصحف يدعوهم إلى ما فيه ، فإن قطعت يده أخذه بيده الأخرى ، فإن قطعت أخذه بأسنانه وهو مقتول ؟ فقال شاب : أنا . فطاف به على أصحابه فلم يجبه إلا ذلك الشاب ، ثلاث مرات ، فسلمه إليه ، فدعاهم ، فقطعت يده اليمنى ، فأخذه باليسرى ، فقطعت ، فأخذه بصدره والدماء تسيل على قبائه ، فقتل ، فقال علي : الآن حل قتالهم . فقالت أم الفتى :


لاهم إن مسلما دعاهم يتلو كتاب الله لا يخشاهم     وأمهم قائمة تراهم
تأمرهم بالقتل لا تنهاهم     قد خضبت من علق لحاهم



[ ص: 618 ] وحملت ميمنة علي على ميسرتهم ، فاقتتلوا ، فلاذ الناس بعائشة ، وكان أكثرهم من ضبة والأزد ، وكان قتالهم من ارتفاع النهار إلى قريب من العصر ثم انهزموا ، ونادى رجل من الأزد : كروا ، فضربه محمد بن علي فقطع يده ، فقال : يا معشر الأزد فروا واستحر القتل في الأزد فنادوا : نحن على دين علي . فقال رجل من بني ليث :


سائل بنا حين لقينا الأزدا     والخيل تعدو أشقرا ووردا
لما قطعنا كبدهم والزندا     سحقا لهم في رأيهم وبعدا



وحمل عمار بن ياسر على الزبير ، فجعل يحوزه بالرمح ، فقال : أتريد أن تقتلني يا أبا اليقظان ؟ فقال : لا يا أبا عبد الله ، انصرف ، فانصرف ، وجرح عبد الله بن الزبير ، فألقى نفسه في الجرحى ثم برأ . وعقر الجمل ، واحتمل محمد بن أبي بكر عائشة فأنزلها ، وضرب عليها قبة ، فوقف علي عليها وقال لها : استنفرت الناس وقد فروا ، وألبت بينهم حتى قتل بعضهم بعضا ، في كلام كثير . فقالت عائشة : ملكت فأسجح ، نعم ما ابتليت قومك اليوم ! فسرحها وأرسل معها جماعة من رجال ونساء وجهزها بما تحتاج .

لم أذكر في وقعة الجمل إلا ما ذكره أبو جعفر ، إذ كان أوثق من نقل التاريخ ، فإن الناس قد حشوا تواريخهم بمقتضى أهوائهم .

وممن قتل يوم الجمل عبد الرحمن بن عبيد الله أخو طلحة ، له صحبة . وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس بن عامر بن لؤي ، له صحبة . وفيها قتل المحرز بن حارثة بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس ، له صحبة ، واستعمله عمر على مكة ثم عزله . وفيها قتل معرض بن علاط السلمي أخو الحجاج بن علاط ، قتل مع علي ، وفيها قتل مجاشع ومجالد ابنا مسعود السلميان مع عائشة ، لهما صحبة ، فأما مجاشع فلا شك أنه قتل في الجمل . وقتل عبد الله بن حكيم بن حزام الأسدي القرشي مع عائشة ، وكان [ ص: 619 ] إسلامه يوم الفتح ، وفيها قتل هند بن أبي هالة الأسيدي ، أمه خديجة بنت خويلد زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - مع علي ، وقيل مات بالبصرة ، والأول أصح .

( الأسيدي بضم الهمزة ، منسوب إلى أسيد بتشديد الياء ، وهم بطن من تميم .

وقتل هلال بن وكيع بن بشر التميمي مع عائشة ، له صحبة ، وفيها قتل معاذ بن عفراء أخو معوذ ، وهما ابنا الحرث بن رفاعة الأنصاريان ، وشهدا بدرا ، وقتل مع علي ، وقيل : عاش وقتل في وقعة الحرة .

( التيهان : بفتح التاء فوقها نقطتان ، وتشديد الياء تحتها نقطتان ، وآخره نون . وشبث : بفتح الشين المعجمة ، والباء الموحدة ، وآخره ثاء مثلثة . وسيحان : بفتح السين المهملة ، وسكون الياء تحتها نقطتان ، وفتح الحاء المهملة ، وآخره نون . ونجبة : بفتح النون والجيم ، والباء الموحدة . وعميرة : بفتح العين ، وكسر الميم . وأبير بضم الهمزة ، وفتح الباء الموحدة . والخريت : بكسر الخاء المعجمة ، والراء المشددة ، وسكون الياء المثناة من تحتها نقطتان ، وفي آخره تاء فوقها نقطتان ) .

التالي السابق


الخدمات العلمية