الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ما يحل من الطائر ويحرم

( قال الشافعي ) رحمه الله : والأصل فيما يحل ويحرم من الطائر وجهان ، أحدهما : أن ما أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحرم بقتله ، منه ما لا يؤكل ، لأنه خارج من معنى الصيد الذي يحرم على [ ص: 274 ] المحرم قتله ليأكله . والعلم يكاد يحيط أنه إنما حرم على المحرم الصيد الذي كان حلالا له قبل الإحرام ، فإذا أحل رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل بعض الصيد ، دل على أنه محرم أن يأكله ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { لا يحل قتل ما أحل الله عز وجل } فالحدأة والغراب مما أحل رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله للمحرم . فما كان في مثل معناهما من الطائر ، فهو داخل في أن لا يجوز أكل لحمه ، كما لا يجوز أكل لحمهما ، لأنه في معناهما ، ولأنهما أيضا مما لم تكن تأكل العرب ، وذلك مثل ما ضر من ذوات الأرواح من سبع وطائر ، وذلك مثل العقاب والنسر والبازي والصقر والشاهين والبواشق ، وما أشبهها ، ما دام يأخذ حمام الناس وغيره من طائرهم ، فكل ما كان في هذا المعنى من الطائر فلا يجوز أكله للوجهين اللذين وصفت من أنه في معنى الحدأة والغراب ، وداخل في معنى ما لا تأكل العرب . وكل ما كان لا يبلغ أن يتناول للناس شيئا من أموالهم من الطائر ، فلم تكن العرب تحرمه إقذارا له ، فكله مباح أن يؤكل ، فعلى هذا ، هذا الباب كله وقياسه . فإن قال قائل : نراك فرقت بين ما خرج من أن يكون ذا ناب من السبع ، مثل الضبع والثعلب ، فأحللت أكلها ، وهي تضر بأموال الناس أكثر من ضرر ما حرمت من الطائر . قلت إني وإن حرمته فليس للضرر فقط حرمته ، ولا لخروج الثعلب والضبع من الضرر أبحتها ، إنما أبحتها بالسنة ، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم إذ نهى عن كل ذي ناب من السباع ، ففيه دلالة على أنه أباح ما كان غير ذي ناب من السباع ، وأنه أحل الضبع نصا ، وأن العرب لم تزل تأكلها ، والثعلب . وتترك الذئب والنمر والأسد فلا تأكله وأن العرب لم تزل تترك أكل النسر والبازي والصقر والشاهين والغراب والحدأة وهي ضرار ، وتترك ما لا يضر من الطائر فلم أجز أكله ، وذلك مثل الرخمة والنعامة ، وهما لا يضران ، وأكلهما لا يجوز ، لأنهما من الخبائث وخارجان من الطيبات . وقد قلت مثل هذا في الدود ، فلم أجز أكل اللحكاء ولا العظاء ولا الخنافس ، وليست بضارة ولكن العرب كانت تدع أكلها ، فكان خارجا من معنى الطيبات ، داخلا في معنى الخبائث عندها .

التالي السابق


الخدمات العلمية