الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            المسألة السادسة : اختلف العلماء في أن قوله : ( فكاتبوهم ) أمر إيجاب أو أمر استحباب ؟ فقال قائلون هو أمر إيجاب ، فيجب على الرجل أن يكاتب مملوكه إذا سأله ذلك بقيمته أو أكثر إذا علم فيه خيرا ، ولو كان بدون قيمته لم يلزمه ، وهذا قول عمرو بن دينار وعطاء ، وإليه ذهب داود بن علي ومحمد بن جرير ، واحتجوا عليه بالآية والأثر . أما الآية فظاهر قوله تعالى : ( فكاتبوهم ) لأنه أمر وهو للإيجاب ، ويدل عليه أيضا سبب نزول الآية ، فإنها نزلت في غلام لحويطب بن عبد العزى يقال له صبيح ، سأل مولاه أن يكاتبه فأبى عليه ، فنزلت الآية ، فكاتبه على مائة دينار ، ووهب له منها عشرين دينارا .

                                                                                                                                                                                                                                            وأما الأثر فما روي أن عمر أمر أنسا أن يكاتب سيرين أبا محمد بن سيرين فأبى ، فرفع عليه الدرة وضربه وقال : ( فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ) وحلف عليه ليكاتبنه ، ولو لم يكن ذلك واجبا لكان ضربه بالدرة ظلما ، وما أنكر على عمر أحد من الصحابة فجرى ذلك مجرى الإجماع ، وقال أكثر الفقهاء إنه أمر استحباب وهو ظاهر قول ابن عباس والحسن والشعبي وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي والثوري ، واحتجوا عليه بقوله عليه الصلاة والسلام " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه " وأنه لا فرق أن يطلب الكتابة أو يطلب بيعه ممن يعتقه في الكفارة ، فكما لا يجب ذلك فكذا الكتابة وهذه طريقة المعاوضات أجمع وهاهنا سؤالان :

                                                                                                                                                                                                                                            السؤال الأول : كيف يصح أن يبيع ماله بماله ؟ قلنا إذا ورد الشرع به فيجب أن يجوز كما إذا عتقه على مال يكتسبه فيؤديه أو يؤدي عنه صار سببا لعتقه .

                                                                                                                                                                                                                                            السؤال الثاني : هل يستفيد العبد بعقد الكتابة ما لا يملكه لولا الكتابة ؟ قلنا نعم لأنه لو دفع إليه الزكاة ، ولم يكاتب لم يحل له أن يأخذها ، وإذا صار مكاتبا حل له ، وإذا دفع إلى مولاه حل له ، سواء أدى فعتق أو عجز فعاد إلى الرق ، ويستفيد أيضا أن الكتابة تبعثه على الجد والاجتهاد في الكسب ، فلولاها لم يكن ليفعل ذلك ، ويستفيد المولى الثواب لأنه إذا باعه فلا ثواب ، وإذا كاتبه ففيه ثواب ، ويستفيد أيضا الولاء لأنه لو عتق من قبل غيره لم يكن له ولاء وإذا عتق بالكتابة فالولاء له ، فورد الشرع بجواز الكتابة لما ذكرناه من الفوائد .

                                                                                                                                                                                                                                            أما قوله تعالى : ( إن علمتم فيهم خيرا ) فذكروا في الخير وجوها :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدها : ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم " إن علمتم لهم حرفة ، فلا تدعوهم كلا على الناس " .

                                                                                                                                                                                                                                            وثانيها : قال عطاء الخير المال وتلا ( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا ) [ البقرة : 180 ] أي ترك مالا ، قال وبلغني ذلك عن ابن عباس .

                                                                                                                                                                                                                                            وثالثها : عن ابن سيرين [ ص: 190 ] قال إذا صلى ، وقال النخعي وفاء وصدقا ، وقال الحسن صلاحا في الدين .

                                                                                                                                                                                                                                            ورابعها : قال الشافعي رحمه الله : المراد بالخير الأمانة والقوة على الكسب ، لأن مقصود الكتابة قلما يحصل إلا بهما فإنه ينبغي أن يكون كسوبا يحصل المال ويكون أمينا يصرفه في نجومه ولا يضيعه ، فإذا فقد الشرطان أو أحدهما لا يستحب أن يكاتبه ، والأقرب أنه لا يجوز حمله على المال لوجهين :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : أن المفهوم من كلام الناس إذا قالوا فلان فيه خير إنما يريدون به الصلاح في الدين ولو أراد المال لقال : إن علمتم لهم خيرا ، لأنه إنما يقال : لفلان مال ولا يقال فيه مال .

                                                                                                                                                                                                                                            الثاني : أن العبد لا مال له بل المال لسيده ، فالأولى أن يحمل على ما يعود على كتابته بالتمام ، وهو الذي ذكره الشافعي -رحمه الله- وهو أن يتمكن من الكسب ويوثق به بحفظ ذلك لأن كل ذلك مما يعود على كتابته بالتمام ، ودخل فيه تفسير النبي صلى الله عليه وسلم الخير لأنه عليه الصلاة والسلام فسره بالكسب وهو داخل في تفسير الشافعي رحمه الله .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية