الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                صفحة جزء
                                الحديث الثالث : 595 620 - ثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن عبد الله بن دينار ، عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن بلالا ينادي بليل ، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم ) .

                                التالي السابق


                                كذا خرج في ( الموطأ ) هذا الحديث . وخرجه الإسماعيلي في ( صحيحه ) من طرق عن مالك .

                                وخرجه من طريق عبد الله بن يوسف ، وزاد فيه : وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى ، لا ينادي حتى يقال له : أصبحت ، أصبحت .

                                وزعم أن تخريج هذا الحديث في ( باب : أذان الأعمى ) كان أولى ؛ لأنه زعم أن هذه الزيادة فيه من قول ابن عمر ومالك مدرجة .

                                وهذا الذي قاله ليس بشيء ، وهذه الزيادة في حديث عبد الله بن دينار ما أراها محفوظة عن مالك بالكلية ، والظاهر أن بعض الرواة اشتبه عليه حديث عبد الله بن دينار بحديث سالم المتقدم . والله أعلم .

                                وقد رواه أيضا شعبة ، عن عبد الله بن دينار ، بدون هذه الزيادة أيضا .

                                وقد روي عن مالك بهذه الزيادة من وجه آخر : رواه حرملة ، عن ابن وهب والشافعي ، كلاهما عن مالك ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، أن [ ص: 508 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن بلالا يؤذن بليل ، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ) ، وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى ، لا ينادي حتى يقال : أصبحت ، أصبحت .

                                خرجه الطبراني ، وذكر أنه تفرد به حرملة ، ولا يرويه عن مالك غير الشافعي وابن وهب ، وعنده : أن هذه الزيادة في آخره من رواية الشافعي وحده .

                                وذكر ابن أبي حاتم أن أباه حدثه عن حرملة ، عن ابن وهب وحده بهذه الزيادة ، وقال : قال أبي : هذا منكر بهذا الإسناد .

                                وبكل حال ؛ فتحمل صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - عقب الأذان على أذان ابن أم مكتوم الثاني ، إلا أن في حديث عائشة ما يدل على [ أنه ] الأذان الأول في عدة روايات ، فيحمل ذلك على أنه كان يصلي بين الأذانين إذا تبين له الفجر قبل أذان ابن أم مكتوم ، بدليل رواية من روى أنه كان يصلي إذا سكت المؤذن وتبين له الفجر .

                                وقد روى جعفر بن ربيعة ، عن عراك بن مالك ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ركعتين بين النداءين ، لم يكن يدعهما أبدا .

                                خرجه البخاري .

                                والمراد : بين النداء والإقامة .

                                وقد رواه يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، وذكر في حديثه : أنه كان يصلي ركعتي الفجر بين الأذان والإقامة ، كما سبق .

                                [ ص: 509 ] فتعين حمل ذلك على الأذان الثاني ، ولا بد .

                                وقد روى بعضهم حديث عراك ، وزاد فيه بعد قوله : يصلي ركعتين بين النداءين : ( جالسا ) .

                                خرجه أبو داود .

                                ولفظة : ( جالسا ) غير محفوظة .

                                وإنما كان يصلي ركعتين جالسا بعد وتره ، كذلك رواه يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة .

                                ومما يدل على هذا - أيضا - : حديث ابن عمر المخرج في ( الصحيحين ) من طريق أنس بن سيرين ، عنه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الركعتين قبل صلاة الغداة ، كأن الأذان بأذنيه .

                                زاد البخاري : قال حماد بن زيد : أي : بسرعة .

                                وروى الأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي [ ركعتي ] الفجر إذا سمع الأذان ويخففهما .

                                خرجه النسائي .

                                وقال : هذا حديث منكر .

                                قلت : نكارته من قبل إسناده ، وروايات الأعمش عن حبيب فيها منكرات ؛ فإن حبيب بن أبي ثابت إنما يروي هذا الحديث عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، عن أبيه ، عن جده .

                                [ وخرج أبو داود ] من حديث كريب ، عن الفضل بن عباس - أنه نام [ ص: 510 ] ليلة عند النبي - صلى الله عليه وسلم - لينظر كيف صلاته ، [ فذكر صلاته ] ووتره ، ثم قام فنادى المنادي عند ذلك ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدما سكت المؤذن ، فصلى ركعتين خفيفتين ، ثم جلس حتى صلى الصبح .

                                فهذه الأحاديث المخرجة في هذا الباب كلها ليس فيها دلالة صريحة على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يؤذن له إلا بعد طلوع الفجر ، وغاية ما يدل بعضها على أنه كان يؤذن له بعد طلوع الفجر ، وذلك لا ينفي أن يكون قد أذن قبل الفجر أذان أول .

                                والأحاديث التي فيها أن بلالا كان لا يؤذن إلا بعد طلوع الفجر أسانيدها غير قوية ، ويمكن أن تحمل - على تقدير ثبوتها - على أنه كان يؤذن بعد طلوع الفجر الأول ، وقبل طلوع الفجر الثاني .

                                ويدل على ذلك : ما روى ابن وهب ، قال : حدثني سالم بن غيلان ، أن سليمان بن أبي عثمان التجيبي حدثه ، عن حاتم بن عدي الحمصي ، عن أبي ذر ، أنه صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة - فذكر الحديث - قال : ثم أتاه بلال للصلاة ، فقال : ( أفعلت ؟ ) فقال : نعم . قال : ( إنك يا بلال مؤذن إذا كان الصبح ساطعا في السماء ، وليس ذلك الصبح ، إنما الصبح هكذا إذا كان معترضا ) ، ثم دعا بسحوره فتسحر .

                                خرجه بقي بن مخلد في ( مسنده ) ويونس بن يعقوب القاضي في ( كتاب الصيام ) .

                                وخرجه الإمام أحمد - بمعناه من رواية رشدين بن سعد ، عن عمرو بن الحارث ، عن سالم بن غيلان . ومن طريق ابن لهيعة ، عن سالم بن غيلان - أيضا .

                                [ ص: 511 ] وقد اختلف في هذا الإسناد :

                                فقال البخاري في ( تاريخه ) : هو إسناد مجهول .

                                وقال الدارقطني - فيما نقله عنه البرقاني - في هؤلاء الثلاثة : سالم وسليمان وحاتم : مصريون متروكون ، وذكر أن رواية حاتم ، عن أبي ذر لا تثبت .

                                وخالفه في ذلك آخرون :

                                أما حاتم ، فقال العجلي : تابعي حمصي شامي ، ثقة .

                                وأما سليمان بن أبي عثمان التجيبي ، فقال أبو حاتم الرازي : هو مجهول .

                                وأما سالم بن غيلان ، فمشهور ، روى عنه جماعة من أهل مصر . وقال أحمد وأبو داود والنسائي : لا بأس به . وقال ابن خراش : صدوق ، وقال ابن حبان : ثقة .

                                فلم يبق من هؤلاء من لا يعرف حاله سوى سليمان بن أبي عثمان .

                                وقد عضد هذا الحديث : ما خرجه مسلم في ( صحيحه ) من حديث سمرة بن جندب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا هذا البياض - لعمود الصبح - حتى يستطير ) .

                                وحديث ابن مسعود ، وقد خرجه البخاري في الباب الآتي .

                                وفي النهي عن الأذان قبل الفجر أحاديث أخر ، لا تصح :

                                فروى جعفر بن برقان ، عن شداد مولى عياض بن عامر ، عن بلال ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر هكذا ) ، ومد يديه عرضا .

                                [ ص: 512 ] خرجه أبو داود .

                                وقال : شداد لم يلق بلالا .

                                قال أبو بكر الأثرم : هو إسناد مجهول منقطع .

                                يشير إلى جهالة شداد ، وأنه لم يلق بلالا .

                                وقد خرجه أبو نعيم في ( كتاب الصلاة ) : ثنا جعفر بن برقان ، عن شداد مولى عياض ، قال : بلغني أن بلالا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكره .

                                وروى [ أبو داود ، عن ] حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن بلالا أذن بليل ، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينادي : ألا إن العبد نام .

                                وقال : تفرد به حماد .

                                وذكر أن الدراوردي روى عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : كان لعمر مؤذن ، يقال له : مسروح - فذكر نحوه .

                                وقال : هذا أصح من ذاك .

                                يعني : أنه موقوف على عمر ، وأن حماد بن سلمة وهم في رفعه .

                                وحكى الترمذي عن علي بن المديني ، أنه قال : هو غير محفوظ ، وأخطأ فيه حماد بن سلمة .

                                وكذا قال الترمذي : هو غير محفوظ .

                                وكذلك أنكره الإمام أحمد على حماد .

                                وقال أبو حاتم الرازي : حديث حماد خطأ . والصحيح : عن نافع ، عن [ ص: 513 ] ابن عمر ، أن عمر أمر مسروحا .

                                قال : ورواه ابن أبي محذورة ، عن عبد العزيز أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر مرفوعا - أيضا - وابن أبي محذورة شيخ .

                                وقال محمد [ بن ] يحيى الذهلي : هو حديث شاذ ، وهو خلاف ما رواه الناس عن ابن عمر .

                                يعني : أنهم رووا عنه حديث : ( إن بلالا يؤذن بليل ) .

                                وقال الشافعي : رأينا أهل الحديث من أهل العراق لا يثبتون هذا الحديث ، ويزعمون أنها ضعيفة ، لا يقوم بمثلها حجة على الانفراد .

                                وقال الأثرم : هذا الحديث [ خطأ ] معروف من خطأ حماد بن سلمة .

                                وقال الدارقطني : أخطأ فيه حماد بن سلمة . وتابعه سعيد بن زربي - وكان ضعيفا - روياه عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر . والمحفوظ : عن أيوب ، عن ابن سيرين أو حميد بن هلال ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لبلال هذا . قال : ولا يقوم بالمرسل حجة .

                                قلت : روايات حماد بن سلمة عن أيوب غير قوية .

                                قال أحمد : أسند عن أيوب [ أحاديث لا يسندها الناس عنه .

                                وقال مسلم : حماد يخطئ في حديث أيوب كثيرا .

                                وقد خولف في رواية هذا عن أيوب ، فرواه معمر ، عن أيوب ] - مرسلا .

                                خرجه عبد الرزاق ، عنه .

                                وأما حديث عبد العزيز بن أبي رواد ، فقد روي عنه متصلا كما تقدم من رواية ابن أبي محذورة عنه .

                                [ ص: 514 ] وتابعه عامر بن مدرك .

                                قال الدارقطني : هو وهم ، والصواب : رواية شعيب بن حرب ، عن عبد العزيز ، عن نافع ، عن مؤذن لعمر ، يقال له : مسروح ، أن عمر أمره بذلك .

                                وذكر أبو داود أن حماد بن زيد رواه عن عبيد الله ، عن نافع أو غيره ، أن مؤذنا لعمر يقال له : مسروح - فذكره .

                                وذكر الترمذي ، أن ابن أبي رواد رواه ، عن نافع ، أن عمر أمر بذلك .

                                قال : هذا لا يصح ؛ لأنه منقطع .

                                وقال البيهقي في حديث ابن أبي رواد المتصل : إنه ضعيف لا يصح ، والصواب : رواية شعيب بن حرب .

                                وقال ابن عبد البر : الصحيح : أن عمر هو الذي أمر مؤذنه بذلك .

                                وقد روي من حديث قتادة ، عن أنس - نحو حديث حماد بن سلمة .

                                والصحيح : أنه عن قتادة مرسل - : قاله الدارقطني .

                                وروي من حديث الحسن ، عن أنس - أيضا - بإسناد لا يصح .

                                والنهي عن الأذان قبل طلوع الفجر قد روي عن عمر ، كما سبق ، وعن علي .

                                قال أبو نعيم : ثنا إسرائيل ، عن فضل بن عمير ، قال : كان لعلي مؤذن ، فجعل علي معه مؤذنا آخر ؛ لكيلا يؤذن حتى ينفجر الفجر .

                                وهذا منقطع .

                                وروى وكيع : ثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن الأسود ، عن عائشة ، [ ص: 515 ] قالت : ما كانوا يؤذنون حتى يصبحون .

                                وخرج الإمام أحمد من رواية يونس ، عن أبي إسحاق ، عن الأسود ، قال : قلت لعائشة : متى توترين ؟ قالت : ما أوتر حتى يؤذن ، وما يؤذن حتى يطلع الفجر .

                                وعن شريك ، عن علي بن علي ، عن إبراهيم ، قال : سمع علقمة مؤذنا يؤذن بليل ، فقال : لقد خالف هذا سنة أصحاب محمد .

                                وإلى هذا القول ذهب الكوفيون ، منهم : أبو الأحوص صاحب ابن مسعود ، وقيس بن أبي حازم ، والشعبي ، والنخعي ، والثوري ، وأبو حنيفة ، ومحمد بن الحسن ، والحسن بن صالح .

                                وروى ابن أبي شيبة من طريق حجاج ، عن طلحة ، عن سويد - هو : ابن علقمة - عن بلال : أنه كان لا يؤذن حتى ينشق الفجر .

                                وعن حجاج ، عن عطاء ، عن أبي محذورة : أنه أذن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولأبي بكر وعمر ، فكان لا يؤذن حتى يطلع الفجر .

                                حجاج : هو ابن أرطاة .

                                قال الأثرم : هذا ضعيف الإسناد .

                                وقال ابن أبي شيبة : ثنا ابن نمير ، عن عبيد الله ، قال : قلت لنافع : إنهم كانوا ينادون قبل الفجر ؟ قال : ما كان النداء إلا مع الفجر .



                                الخدمات العلمية