الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
باب الفرقة باللعان

قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد : ( لا تقع الفرقة بعد فراغهما من اللعان حتى يفرق الحاكم ) .

وقال مالك وزفر بن الهذيل والليث : ( إذا فرغا من اللعان وقعت الفرقة وإن لم يفرق بينهما الحاكم ) . وعن الثوري والأوزاعي : ( لا تقع الفرقة بلعان الزوج وحده ) .

وقال عثمان البتي : ( لا أرى ملاعنة الزوج امرأته تنقص شيئا ، وأحب إلي أن يطلق ) . وقال الشافعي : ( إذا أكمل الزوج الشهادة والالتعان فقد زال فراش امرأته ولا تحل له أبدا التعنت أو لم تلتعن ) قال أبو بكر : أما قول عثمان البتي في أنه لا يفرق بينهما فإنه قول تفرد به ولا نعلم أحدا قال به غيره ، وكذلك قول الشافعي في إيقاعه الفرقة بلعان الزوج خارج عن أقاويل سائر الفقهاء وليس له فيه سلف .

والدليل على أن فرقة اللعان لا تقع إلا بتفريق الحاكم ما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب أن سهل بن سعد الساعدي أخبره : أن عويمرا العجلاني أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فيقتلونه أم كيف يفعل ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك قرآنا فاذهب فأت بها قال سهل : فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغنا قال عويمر : كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فهي طالق ثلاثا ؛ فطلقها عويمر ثلاثا قبل أن يأمره النبي صلى الله عليه وسلم ؛ قال ابن شهاب : فكانت سنة المتلاعنين . وفي هذا الخبر دلالة على أن اللعان لم يوجب الفرقة لقوله : ( كذبت عليها إن أمسكتها ) وذلك لأن [ ص: 151 ] فيه إخبارا منه بأنه ممسك لها بعد اللعان على ما كان عليه من النكاح ؛ إذ لو كانت الفرقة قد وقعت قبل ذلك لاستحال قوله : ( كذبت عليها إن أمسكتها ) وهو غير ممسك لها ، فلما أخبر بعد اللعان بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم أنه ممسك لها ولم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم دل ذلك على أن الفرقة لم تقع بنفس اللعان ؛ إذ غير جائز أن يقار النبي صلى الله عليه وسلم أحدا على الكذب ولا على استباحة نكاح قد بطل ، فثبت أن الفرقة لم تقع بنفس اللعان .

ويدل عليه أيضا ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا أحمد بن إبراهيم بن ملحان قال : حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير قال : حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب أن ابن شهاب كتب يذكر عن سهل بن سعد أنه أخبره أن عويمرا قال : يا رسول الله أرأيت إن وجدت عند أهلي رجلا أأقتله ؟ قال : ائت بامرأتك فإنه قد نزل فيكما فجاء بها فلاعنها ، ثم قال : إني قد افتريت عليها إن لم أفارقها . فأخبر في هذا الحديث أنه لم يكن فارقها باللعان وأمره النبي صلى الله عليه وسلم ولما طلقها ثلاثا بعد اللعان ولم ينكره صلى الله عليه وسلم دل ذلك على أن الطلاق قد وقع موقعه ؛ وعلى قول الشافعي أنها قد بانت منه بلعان الزوج ولا يلحقها طلاقه بعد البينونة فقد خالف الخبر من هذا الوجه أيضا .

وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال : حدثنا ابن وهب عن عياض بن عبد الله الفهري وغيره عن ابن شهاب عن سهل بن سعد في هذا الخبر أعني قصة عويمر قال : فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ما صنع عند النبي صلى الله عليه وسلم قال سهل : حضرت هذا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا . فأخبر في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أنفذ طلاق العجلاني بعد اللعان .

ويدل عليه أيضا قول ابن شهاب : ( فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما ) ولو كانت الفرقة واقعة باللعان لاستحال التفريق بعدها . ويدل عليه أيضا ما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا مسدد ووهب بن بيان وغيرهما قالوا : حدثنا سفيان عن الزهري عن سهل بن سعد قال : مسدد قال : شهدت المتلاعنين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن خمس عشرة سنة ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما حين تلاعنا ، فقال الرجل : كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فأخبر في هذا الحديث أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بينهما بعد اللعان .

وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا أحمد بن حنبل قال : حدثنا إسماعيل قال : حدثنا أيوب عن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عمر رجل قذف امرأته ؟ قال : فرق رسول [ ص: 152 ] الله صلى الله عليه وسلم بين أخوي بني العجلان فقال : والله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب ؟ يرددها ثلاث مرات ، فأبيا ففرق بينهما . فنص في هذا الحديث أيضا على أنه فرق بينهما بعد اللعان .

وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن ابن عمر : أن رجلا لاعن امرأته في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتفى من ولدها ، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وألحق الولد بالمرأة . وهذا أيضا فيه نص على أن التفريق كان بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأيضا لو كانت الفرقة واقعة بلعان الزوج لبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وقع بها من التحريم وتعلق بها من الأحكام ، فلما لم يخبر عليه السلام بوقوع الفرقة بلعان الزوج ثبت أنها لم تقع .

وأيضا قول الشافعي خلاف الآية ؛ لأن الله تعالى قال : والذين يرمون أزواجهم ثم قال : فشهادة أحدهم ثم قال : ويدرأ عنها العذاب وهو يعني الزوجة ، فلو وقعت الفرقة بلعان الزوج للاعنت وهي أجنبية ، وذلك خلاف ظاهر الآية لأن الله تعالى إنما أوجب اللعان بين الزوجين . وأيضا لا خلاف أن الزوج إذا قذف امرأته بغير ولد بعد البينونة أو قذفها ثم أبانها أنه لا يلاعن ، فلما لم يجز أن يلاعن وهو أجنبي كذلك لا يجوز أن يلاعن وهي أجنبية ؛ لأن اللعان في هذه الحال إنما هو لقطع الفراش ولا فراش بعد البينونة ، فامتنع لعانها وهي غير زوجة .

فإن قيل : في الأخبار التي فيها ذكر تفريق النبي صلى الله عليه وسلم بين المتلاعنين إنما معناه أن الفرقة وقعت باللعان ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تحل له بقوله : لا سبيل لك عليها قيل له : هذا صرف للكلام عن حقيقته ومعناه ؛ لأن قوله : لا تحل لك لا سبيل لك عليها إن لم تقع به فرقة فليس بتفريق من النبي صلى الله عليه وسلم بينهما ، وإنما هو إخبار بالحكم ، والمخبر بالحكم لا يكون مفرقا بينهما .

فإن قيل : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : المتلاعنان لا يجتمعان أبدا ، وذلك إخبار منه بوقوع الفرقة ؛ لأن النكاح لو كان باقيا إلى أن يفرق لكانا مجتمعين . قيل له : هذا لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما روي عن عمرو وعلي قال : ( يفرق بينهما ولا يجتمعان ) فإنما مراده أنهما إذا فرق بينهما لا يجتمعان ما داما على حال التلاعن ، فينبغي أن تثبت الفرقة حتى يحكم بأنهما لا يجتمعان ، ولو صح عن النبي صلى الله عليه وسلم كان معناه ما وصفنا .

وأيضا يضم إليه ما قدمنا من الأخبار الدالة على بقاء النكاح بعد اللعان وأن الفرقة إنما تقع بتفريق الحاكم ، فإذا جمعنا بينهما وبين الخبر تضمن أن يكون معناه : المتلاعنان لا يجتمعان بعد التفريق .

ويدل على ما ذكرنا أن اللعان شهادة لا يثبت حكمها إلا عند الحاكم ، فأشبه [ ص: 153 ] الشهادة التي لا يثبت حكمها إلا عند الحاكم ، فواجب على هذا أن لا تقع موجبة للفرقة إلا بحكم الحاكم .

فإن قيل : الأيمان على الدعاوى لا يثبت بها حكم إلا عند الحاكم ، ومتى استحلف الحاكم رجلا برئ من الخصومة ولا يحتاج إلى استئناف حكم آخر في براءته منها ، وهذا يوجب انتقاض اعتلالك بما ذكرت قيل له : هذا لا يلزم على ما ذكرنا وذلك لأنا قلنا إن اللعان شهادة تتعلق صحتها بالحاكم كالشهادات على الحقوق ، وليست الأيمان على الحقوق شهادات بذلك على هذا أن اللعان لا يصح إلا بلفظ الشهادة كالشهادات على الحقوق ، وليس كذلك الاستحلاف على الدعاوى .

وأيضا فإن اللعان تستحق به المرأة نفسها كما يستحق المدعي ببينته ، فلما لم يجز أن يستحق المدعي ما ادعاه إلا بحكم الحاكم وجب حكمه في استحقاق المرأة نفسها باللعان . وأما الاستحلاف على الحقوق فإنه لا يستحق به شيء وإنما تقطع الخصومة في الحال ويبقى المدعى عليه على ما كان عليه من براءة الذمة ، فكانت فرقة اللعان بالشهادات على الحقوق أشبه منها بالاستحلاف عليها .

وأيضا لما كان اللعان سببا للفرقة متعلقا بحكم الحاكم أشبه تأجيل العنين في كونه سببا للفرقة في تعلقه بحكم الحاكم ، فلما لم تقع الفرقة بعد التأجيل بمضي المدة دون تفريق الحاكم وجب مثله في فرقة اللعان لما وصفنا . وأيضا لما لم يكن اللعان كناية عن الفرقة ولا تصريحا بها وجب أن لا تقع به الفرقة ، كسائر الألفاظ التي ليست كناية عن الفرقة ولا تصريحا بها .

فإن قيل : الإيلاء ليس بكناية عن الطلاق ولا صريح ، وقد أوقعت به الفرقة عند مضي المدة قيل له : إن الإيلاء يصح أن يكون كناية عن الطلاق ، إلا أنه أضعف من سائر الكنايات فلا تقع الفرقة فيه بنفس الإيلاء إلا بانضمام معنى آخر إليه وهو ترك الجماع في المدة ، ألا ترى أن قوله : ( والله لا أقربك ) قد يدل على التحريم ؛ إذ كان التحريم يمنع القرب ؟ وأما اللعان فليس يصلح أن يكون دالا على التحريم بحال لأن أكثر ما فيه أن يكون الزوج صادقا في قذفه فلا يوجب ذلك تحريما ؛ ألا ترى أنه لو قامت البينة عليها بالزنا لم يوجب ذلك تحريما ، وإن كان كاذبا والمرأة صادقة فذلك أبعد ؟ فثبت بذلك أنه لا دلالة فيه على التحريم ؛ قال : فلذلك لم يجز وقوع الفرقة دون إحداث تفريق إما من قبل الزوج أو من قبل الحاكم .

وأيضا أنه لما لم يصح ابتداء اللعان إلا بحكم الحاكم كان كذلك ما تعلق به من الفرقة ، ولما صح ابتداء الإيلاء من غير حاكم لم يحتج في وقوع الفرقة إلى حكم الحاكم .

فإن قيل : لما اتفقنا على أنهما لو تراضيا [ ص: 154 ] على البقاء على النكاح لم يخليا وذلك وفرق بينهما ، دل ذلك على أن اللعان قد أوجب الفرقة ، فواجب أن تقع الفرقة فيه بنفس اللعان دون سبب آخر غيره .

قيل له : هذا منتقض على أصل الشافعي ؛ لأنه يزعم أن ارتداد المرأة لا يوجب الفرقة إلا بحدوث سبب آخر وهو مضي ثلاث حيض ، فإذا مضت ثلاث حيض وقعت الفرقة ، ولو تراضيا على البقاء على النكاح لم يخليا وذلك ولم توجب الردة بنفسها الفرقة دون حدوث معنى آخر ، وعندنا لو تزوجت امرأة زوجا غير كفء وطالب الأولياء بالفرقة لم يعمل تراضي الزوجين في تبقية النكاح ولم يوجب ذلك وقوع الفرقة بخصومة الأولياء حتى يفرق الحاكم ؛ فهذا الاستدلال فاسد على أصل الجميع . وأيضا فإنك لم ترده إلى أصل ، وإنما حصلت على دعوى عارية من البرهان .

وأيضا جائز عندنا البقاء على النكاح بعد اللعان ؛ لأنه لو أكذب نفسه قبل الفرقة لجلد الحد ولم يفرق بينهما .

فإن قيل : هو مثل الطلاق الثلاث والرضاع ونحوهما من الأسباب الموجبة للفرقة بأنفسها لا يحتاج في صحة وقوعها إلى حكم الحاكم ، واللعان ليس بسبب موجب للفرقة بنفسه لأنه لو كان كذلك وجب أن تقع به الفرقة إذا تلاعنا عند غير الحاكم ، وأيضا ليس كل سبب يتعلق به فسخ يوجبه بنفسه ، ومن الأسباب ما يوجب ذلك بنفسه ومنها ما لا يوجبه إلا بحدوث معنى آخر ، ألا ترى أن بيع نصيب من الدار يوجب الشفعة للشريك ولا ينتقل إليه بنفس الطلب والخصومة دون أن يحكم بها الحاكم ؟ وكذلك الرد بالعيب بعد القبض وخيار الصغير إذا بلغ ونحو ذلك هذه كلها أسباب يتعلق بها فسخ العقود ثم لا يقع الفسخ بوجودها حسب دون حكم الحاكم به ، فهو على من يوجب الفرقة باللعان دون تفريق الحاكم .

وأما عثمان البتي فإنه ذهب في قوله إن اللعان لا يوجب الفرقة بحال ؛ لأن اللعان ليس بصريح ولا كناية عن الفرقة ، ولو تلاعنا في بيتهما لم يوجب فرقة ، فكذلك عند الحاكم ؛ ولأن اللعان في الأزواج قائم مقام الحد على قاذف الأجنبيات ، ولو حد الزوج في قذفه إياها بأن أكذب نفسه أو كان عبدا لم يوجب ذلك فرقة ، وكذلك إذا لاعن . وذهب في تفريق النبي صلى الله عليه وسلم بين المتلاعنين أن ذلك إنما كان في قصة العجلاني وكان طلقها ثلاثا بعد اللعان ، فلذلك فرق بينهما .

وروى ابن شهاب أن سهل بن سعد قال : ( فطلقها العجلاني ثلاث تطليقات بعد فراغهما من اللعان فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، وحديث ابن عمر أيضا إنما هو في قصة العجلاني . قال أبو بكر : في [ ص: 155 ] حديث سهل بن سعد إنه قال : ( فحضرت هذا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني قصة العجلاني فمضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا ) ، فأخبر سهل وهو راوي هذه القصة أن السنة مضت بالتفريق وإن لم يطلق الزوج ؛ وفي حديث ابن عباس في قصة هلال بن أمية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرق بينهما .

قال أبو بكر : وهلال لم يطلق امرأته ، فثبت أن التفريق بينهما بعد اللعان واجب . وأيضا في حديث ابن عمر وغيره في قصة العجلاني أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بينهما ، وجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم فرق بينهما ثم طلقها هو ثلاثا فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه أنه قال : لا سبيل لك عليها

التالي السابق


الخدمات العلمية